الخميس 01/08/1438 - الموافق 27/04/2017 آخر تحديث الساعة 10:14 ص مكة المكرمة 08:14 ص جرينتش  
بحوث عقدية
هل تثبت صفة الملل لله تعالى؟

هل تثبت صفة الملل لله تعالى؟

1431/12/16 الموافق 22/11/2010 - الساعة 10:31 م
|


الحمد لله هادي العباد، أحمده سبحانه حمد عبد راجي رضاه، وأشكره والشكر واجب على العبد لمولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له في جلاله وكماله وعلاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الهداة إلى صراط الله، وبعد:

إن مما يجب اعتقاده هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال القائل:

فما أثبت الباري تعالى لنفسه***أو المصطفى نبديه لا نتوقف***كما جا بلا كيف ومِثل لربنا***ومن غير تعطيل ولسنا نحرِّف.

ويعبر أهل العلم عن ذلك بقولهم: "صفات الله توقيفية"،(مجموع الفتاوى 5/402)، و(بدائع الفوائد 1/162).

وقد كان من المشكل علي "صفة الملل"، هل هي من الصفات المثبتة، أم هي من الصفات المنفية، فاستعنت بالله في بحث هذه الصفة، فترجح لي نفيها، والبحث تحت الطبع، بعنوان (تنزيه ذي الجلالة عن صفة السآمة والملالة) يسر الله إخراجه.

والحديث الوارد في هذه الصفة في البخاري (43) ومسلم (6/74) عن عائشة –رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: "مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا"، وعند مسلم (6/75)" وغيره لا يسأم الله..إلخ".

والمسألة فيها أربعة أقوال:  

القول الأول: قول من قال بالنفي، وممن قال بهذا القول جماعة، وإن كان في بعضهم مقال ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص32) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2/116)، والبغوي في "شرح السنة" (4/49) وابن فورك كما في "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (1/101)، والكرماني في "شرحه على لصحيح البخاري" (1/172)، والمنذري في "مختصر سنن أبي داود" (2/106) والتيمي كما في "عمدة القاري" (1/379)، والماوردي كما في "عمدة القاري" (1/380)، والمازري كما في "فتح الباري" للحافظ (1/126)، والقاضي عياض كما في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (3/147)، وابن حجر في "فتح الباري" (1/126)، وابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (4/277)، وابن الأثير في " النهاية" (4/360)، وابن منظور في "لسان العرب"مادة" والكاندهلوي في "حاشية بذلك المجهود" (7/145)، والشرقاوي في "فتح المبدي" (1/69) وغيرهم.

القول الثاني: قول من قال بالإثبات، وهذا ظاهر كلام ابن مندة في "كتاب التوحيد" (3/256) وبه قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في "الفتاوى والرسائل" (1/209) وبعض المعاصرين.

القول الثالث: قول من قال بالتأويل، وبه قال ابن رجب في "فتح الباري" (1/151)، وابن عبد البر في "التمهيد" (1/194)، والهروي كما في "فتح الباري" (1/194)، وابن الأنباري كما في "شرح البخاري" للكرماني (1/172)، والإسماعيلي كما في "فتح الباري" (1/126)، والخطابي في "إعلام الحديث في شرح "صحيح البخاري"(1/173)، والقرطبي في "المفهم" (2/413) وابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (1/173) والقرطبي في "المفهم" (2/413)، وابن بطال في "شرح صحيح البخاري" له (3/145)، والعيني في "عمدة القاري" (1/379 - 380)، والسندي في حاشيته لسنن النسائي (8/123) والنووي في "شرح رياض الصالحين" (ص104) تحقيق الأرنؤوط، والقسطلاني في "إرشاد الساري" (1/222) والتوربشتي كما في "إرشاد الساري" للبيضاوي(3/232)، والسيوطي كما في"دليل الفالحين" (1/329) وأبو الطيب آبادي في "عون المعبود" (2/169) وخليل أحمد السهارنفوري في بذل المجهود (7/145) وصديق حسن خان في "عون المعبود" (1/152)، وغيرهم، ولهم في ذلك التأويل وجوه كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

القول الرابع: قول من قال بالتوقف، وهو ظاهر كلام ابن حبان كما في "فتح الباري" (1/126)، والشيخ ابن عثيمين كما في "مجموعة دروس وفتاوى الحرم" (1/152).

أدلة الفريق الأول:

استدل من قال بالنفي بأن "حتى" بمعنى "إذا"، وهو مستعمل في كلام العرب، فيكون المعنى" إن الله لا يمل إذا مللتم"، أي: أن الله تعالى لا يمل أبداً، والشواهد في ذلك قول ابن أخت "تأبط شراً":

صَلِيت في هذيل بخرِق***لا يملُّ حتى يملوا

لم يرد أنه يحل الشر إذا ملوه، ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له؛ لأنه بمنزلتهم، وإنما أراد أنهم يملون الشر وهو لا يمله.

وكذا قولك "هذا الفرس لا يفتر حتى نفتر الخيل"، لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت، ولو كان هذا هو المراد ما كان له فضل عليها؛ لأنه يفتر إذا فترت، وهناك شواهد أخرى.

ويضاف إلى ما استدلوا به أدلة أخرى وهي:

1.   أن الصفات إما أنها تدل على نقص محض، فهذا ليس من صفات الله تعالى، وإما أنها تدل على كمال محض، فهذا من صفات الله تعالى، وإما أنها تدل على كمال باعتبار ونقص باعتبار آخر، فهذا من صفات الله تعالى بشرط التقييد، ومن تدبر صفة الملل وجدها في الضرب الأول.

2.   إن الله تعالى أثبت لنفسه صفات تدل على صفة الملل بدلالة الالتزام، كمثل القوة، والقدرة، وأنه لا يؤودة حفظ السماوات والأرض، ونحو ذلك، فإن من كان متصفاً بهذه الصفات فلا يمل أبداً.

3.   أن الله تعالى نفي عن نفسه صفاتٍ الملل سببها، كمثل العجز، والتعب.

أدلة الفريق الثاني:

استدل من قال بالإثبات: بالإيمان المجمل في جميع صفات المولى عز وجل، وأن أي صفة أوهمت  نقصاً، فهي في حق المخلوق لا في حق الخالق سبحانه.

أدلة الفريق الثالث:  

استدل من تأول صفة الملل بأدلة كثيرة:

منها: أن هذا من باب المقابلة اللفظية، ويقال: الازدواج والمشاكلة، فإن العرب تذكر اللفظة موافقة للأخرى، وإن خالفتها معنى، كمثل قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}، والجزاء لا يكون سيئة، وكمثل قول القائل: ألا لا يجهلن أحد علينا***فنجهل فوق جهل الجاهلينا.

أراد فنجازيه على فعله، فسماه جهلاً، والجهل لا يفخر به ذو عقل، والمعلوم أن القول بالتأويل معناه عدم إثبات الصفة، وما استدلوا به له وجه في لغة العرب، فيصلح دليلاً للفريق الأول القائلين بالنفي، وبهذا يظهر لك أخي القارئ أن المسألة يسع فيها الخلاف، فإن ما وسع السلف وسع الخلف.

وقول من قال (لا اختلاف في مسائل الاعتقاد)، قول غير صحيح عند إطلاقه، فإن السلف اختلفوا في بعض مسائل الاعتقاد، كمثل هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه أم بعينيه؟ وهل أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بروحه أم بجسده؟ وهل العرش خلق قبل القلم أم العكس؟ وهل الملائكة أفضل من صالحي البشر أم العكس؟ وهل الكفار يرون ربهم في عرصات القيامة أم لا؟ وغير ذلك.

وهذا ما شرح الله به صدري، والعلم عند الله تعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر: مجلة الفقه في الدين (العدد الرابع لشهر صفر 1425هـ).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام