الثلاثاء 05/03/1440 - الموافق 13/11/2018 آخر تحديث الساعة 06:22 ص مكة المكرمة 04:22 ص جرينتش  
تزكية

أسرار مضاعفة أجور الأعمال(5)

1439/10/26 الموافق 10/07/2018 - الساعة 03:49 م
|



الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلقد أسلفنا في الحلقات الماضية أن هناك ثمّة أسرار وأسباب تجلب للمرء على عمله الصالح أجورا عظيمة, وتقرّبه من الله تعالى, وينال بممارستها والاهتمام بالعمل بمقتضاها المنازلَ الرّفيعة عند الله تعالى؛ كما أشرنا إلى أنّ تلك الأسرار منها ما دلت النصوص الشرعية على تحديد أجورها؛ ومنها ما لا يعلم منتهى أجورها إلاّ رب العالمين, وإنّ ممّا سبق ذكرها من تلك الأسرار ما يلي:

السّرّ الأوّل: الإخلاص والمتابعة.

السر الثاني: صحة العقيدة, وقوّة إرادة ورغبة العبد في الخير.

السر الثّالث: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم.

السّرّ الرّابع: شرف الزمان المعمول فيه ذلك العمل كشهر رمضان.

السّرّ الخامس: شرف العبد وقربه من الله تعالى.

السّرّ السّادس: عموم نفع العمل للإسلام والمسلمين, وعظم وقعه وأثره.

السّرّ السّابع: التسبب في الخير, ودلالة الناس عليه.

السّر الثَّامن: عظم نفع العمل.

السّر التّاسع: حسن الإسلام وترك الذنوب.

السّر العاشر: تحرّي الأوقات الفاضلة في الشرع لأداء العبادة والأعمال الصّالحة.

السّرّ الحادي عشر: الصّدقة من الكسب الطيّب.

السرّ الثَّاني عشر: إسرار العمل إذا اقتضاه المقام.

السرّ الثالث عشر: الجهر بالعمل الصّالح إذا حصل بذلك التأسي؛ حيث سبق الحديث عن هذه الأسرار بشيء من البسط؛ وذكرنا كلام أهل العلم في أهميتها ومكانتها.

وفي ختام هذه الحلقات المتسلسلة, والجولات العلميّة المتتالية المترابطة؛ نذكر الأسرار الثّلاثة التّالية؛ وبها نختم هذا العنوان, والحمد لله أوّلا وآخرا.

السرّ الرّابع عشر: القيام بالأعمال الصّالحة عند المعارضات النفسيّة, والمعارضات الخارجية.

وهذا سرّ عظيم من أسرار المضاعفة؛ لا يتفطّن له إلا الموفقون, ولا يهتدي إليه إلا العالمون؛ لأنه من ألطف تلك الأسرار والأسباب.

والمراد بالمعارضات: المعوقات عن العمل؛ وهي نوعان:

النوع الأول: المعارضات النفسيّة؛ وهي المعوقات التي يشعر بها الإنسان من داخل نفسه؛ كالوسواس, والكسل, وإيثار الراحة والدعة, والخوف بأنواعه المتعددة كالخوف من زوال الجاه, أو الخوف من التعرض للمشاق, أو الخوف من الناس ونقدهم وسخريتهم ولمزهم وحسدهم, أو الخوف من الفقر, وغير ذلك من أنواع الخوف التي تمنع من العمل الصالح.

النوع الثاني: المعارضات الخارجية؛ وهي المعوقات التي تصد الإنسان عن الخير من خارج نفسه, فتقطعه, وتعوق سيره.

ومن أمثلة ذلك: التخذيل, والسخرية, والحسد, والتسلط, وإلصاق التهم, والرمي بالعظائم, والدخول في النيات, واشتداد الغربة, وكثرة الفتن, وشيوع الملهيات والمغريات, وغير ذلك من المعوقات والمثبطات التي يبتلى بها الإنسان, فيجد أنه بسبب هذه المعارضات النفسية والخارجية يترك كثيرًا من الأعمال الصالحة؛ سواء كانت قاصرة عليه, أو متعدية نفعها إلى غيره[1].

ومن الأدلة على أنّ القيام بالأعمال الصّالحة عند المعارضات النفسيّة, والمعارضات الخارجية سرّ وسبب من أسباب مضاعفة الأجور ما يلي:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين}[2].

وجه الدلالة: أن إسناد الله إلى نفسه أجرَ العافي عن المسيء إليه دليل على المضاعفة والمزايدة؛ جزاء وفاقا لصنيعه الجميل؛ وذلك لأن العفو عن المسيء في نحو المال, أو العرض, أو الجراحات, أو القصاص, ثقيل على النفس؛ لما فيها من حب الانتقام والتشفي, وقد ينضم إلى ذلك معارض خارجي؛ كأن يتهم بأن دافعه إلى العفو العجز, أو الخور, أو الذلة والمهانة, أو غير ذلك, فإذا قاوم هذه المعارضات النفسية والخارجية كان حريًّا بمضاعفة الثواب[3].

الدليل الثّاني: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا بلى يا رسول الله قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»[4].

فالوضوء فضله عظيم؛ والأدلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى, غير أن فضله يعظم, وأجره يتضاعف إذا كان إسباغه على المكاره؛ إذ بذلك قام بالعمل الصالح مع المعارض النفسي؛ وهو المكاره كالبرد وغيره.

قال العلامة محمد فؤاد عبد الباقي: المكاره جمع مكره؛ وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه, والكره بالضم والفتح المشقة, والمعنى: أن يتوضأ مع البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بمس الماء[5].

وقال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن أسباب المضاعفة القيام بالأعمال الصّالحة عند المعارضات النفسيّة, والمعارضات الخارجية, فكلما كانت المعارضات أقوى, والدواعي للترك أكثر, كان العمل أكمل, وأكثر مضاعفة, وأمثلة هذا كثيرة جدًّا, ولكنّ هذا ضابطها[6].

السرّ الخامس عشر: الآثار الحسنة للعمل الصالح في نفع العبد؛ وزيادة إيمانه, ورقة قلبه, وأمثال ذلك.

يقول العلامة ابن القيم الجوزية: مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة, ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها؛ فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمره وغرست نواه, وكذلك تداعي المعاصي, فليتدبر اللبيب هذا المثال, فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها, ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها[7].

وقال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ولهذا كان من أسباب مضاعفة العمل حصول أثره الحسن في نفع العبد, وزيادة إيمانه, ورقة قلبه, وطمأنينته, وحصول المعاني المحمودة للقلب من آثار العمل؛ فإن الأعمال كلما كملت كانت آثارها في القلوب أحسن الآثار, وبالله التوفيق[8].

وقال – رحمه الله تعالى – في القواعد الحسان: يكتب للعبد عمله الذي باشره، ويكمل له ما شرع فيه وعجز عن تكميله قهرا عنه، ويكتب له ما نشأ عن عمله؛ فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن:

أما الأعمال التي باشرها العبد فأكثر من أن تحصى النصوص الدالة عليها، كقوله تعالى: {بما كنتم تعملون}[9]، وقوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}[10]، وقوله تعالى: {لي عملي ولكم عملكم}[11]، ونحو ذلك.

وأما الأعمال التي شرع العبد فيها وعجز العبد عن تكميلها: فكقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}[12]، فهذا خرج قاصدا الهجرة، وأدركه الأجل قبل تكميل عمله، فأتم الله له ما قصد إليه وأعطاه أجره، فكل من شرع في عمل من أعمال الخير، ثم عجز عن إتمامه بموت أو عجز بدني أو عجز مالي أو مانع داخلي أو خارجي، وكان من نيته - لولا المانع – إكماله, فقد وقع أجره على الله؛ فإنما الأعمال بالنيات، وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[13]، فكل من اجتهد في الخير هداه الله الطريق الموصلة إليه، سواء كمل ذلك العمل أو حصل له عائق عنه.

وأما آثار أعمال العبد: فقد قال تعالى: {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا}[14]، أي: باشروا عمله {وآثارهم}، التي ترتبت على أعمالهم من خير وشر في الدنيا والآخرة.

 وقال في المجاهدين: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين}[15]، فكل هذه الأمور من آثار عملهم ثم ذكر أعمالهم التي باشروها بقوله: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}[16][17].

أنواع الأعمال التي هي آثار العمل:

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: والأعمال التي هي من آثار عمل العبد نوعان:

أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالا صالحة خيرية، فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله, وكمن يتزوج بقصد الإعفاف فقط، فيعطيه الله أولادا صالحين ينتفع بهم وبدعائهم.

والثاني: وهو أشرف النوعين: أن يقع ذلك بقصده، كمن علم غيره علما نافعا فنفس تعليمه ومباشرته له من أجل الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك، فإنه من آثار عمله.

وكمن يفعل الخير ليقتدي به الناس، أو يتزوج للعفة ولحصول الذرية الصالحة، فيحصل مراده، فإن هذا من آثار عمله، وكذلك من يزرع زرعا أو يغرس غرسا أو يباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمر دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع له ولغيره، فما ترتب من نفع على هذا العمل فإنه من آثار عمله، وإن كان يأخذ على عمله أجرا وعوضا[18].

السرّ السّادس عشر: الاجتهاد في تحقيق مقام الإحسان, والمراقبة, وحضور القلب في العمل.

قال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل عليه أكثر من أن تُحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر[19]. وليس معناه اختصاص الدعاء وحده بحضور القلب؛ بل العبادات كلها مفتقرة إلى ذلك.

وقال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: ومن أهم ما يضاعف فيه العمل الاجتهاد في تحقيق مقام الإحسان والمراقبة, وحضور القلب في العمل, فكلما كانت هذه الأمور أقوى كان الثواب أكثر؛ فالصلاة ونحوها وإن كانت تجزئ إذا أتي بصورتها الظَّاهرة, وواجباتها الظاهرة والباطنة, إلا أن كمالَ القبول, وكمالَ الثّواب, وزيادةَ الحسنات, ورفعةَ الدّرجات, وتكفيرَ السّيّئات, وزيادةَ نور الإيمان, كلّ ذلك بحسب حضور القلب في العبادة[20].

 


[1]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 121-122.

[2]  سورة الشورى: 40.

[3]  ينظر: الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 123 بنوع من التّصرف.

[4]  صحيح مسلم 1/219 برقم 251 كتاب الطهارة/ باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره.

[5]  صحيح مسلم 1/219 تحقيق: محمد فؤاد.

[6]  الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 121.

[7]  الفوائد لابن القيم ص: 35.

[8]  الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 136-138.

[9]  سورة المائدة: 105.

[10]  سورة البقرة: 286.

[11]  سورة يونس: 41.

[12]  سورة النساء: 100.

[13]  سورة العنكبوت: 69.

[14]  سورة يس: 12.

[15]  سورة التوبة: 120.

[16]  سورة التوبة: 121.

[17]  القواعد الحسان لتفسير القرآن ص: 137-138.

[18]  المصدر السَّابق ص: 138.

[19]  الأذكار ص: 399.

[20]  الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب للعلامة السعدي ص: 131-132.

 

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام