الثلاثاء 05/03/1440 - الموافق 13/11/2018 آخر تحديث الساعة 06:10 ص مكة المكرمة 04:10 ص جرينتش  
دعوة

التأثير الدعوي لجوامع الكلم النبوي في مواجهة المحن

1439/11/06 الموافق 19/07/2018 - الساعة 09:33 ص
|


الدكتورة فاطمة الزبير[1]

 كان نبيُّنا العظيم - صلى الله عليه وسلم - يتمتع دائما بالحلم والحكمة والصبر والتسامح، حتى في أحلك الظروف, وأصعب المحن، وسأتطرق في هذا المبحث لمحنة حادثة الإفك كأنموذج لمواجهة المحن.

مهما تفاقمت المصائب وتزايدت المحن الدنيوية في ظني أنه لا توجد مشكلة ومصيبة أكبر من فاجعة العرض والشرف, وكارثة القذف من الأقربين الذين يطعنونك في ظهرك, فحادثة الإفك كانت المصيبة الكبرى في بيت النبوة الذي ينعم بالحب والتقوى والاحترام.

إنها مصيبة تمس الخلق والدين والعياذة بالله، لقد طُعن أشرف خلق الله في أحب زوجاته، بل أحب الناس إلى قلبه على الإطلاق، وهذا ما صرح به للصحابة عليهم رضوان الله، عندما سألوه: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا[2]، سبحان الله إقرار صريح وواضح بحب عظيم لأعز الناس إليه، تأملوا روعة الاختصار وجوامع الكلم في الرد عن السؤال, فلم يرد عنه بسؤال، لم يقل من أصحابي أم من أزواجي، ولم يقل من المهاجرين أم من الأنصار، ولا من الرجال أم من النساء، كان جوابه واضح ومباشر وبتصريح كامل دون أدنى تعريض.

حادثة الإفك كلفت أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلامًا لا تطاق, وكلفت الأمة المسلمة كلها تجربة من أصعب التجارب.

ففي حادثة الإفك وبعد انتشار الشائعات عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- الطاهرة المبرأة من فوق سبع سماوات، كان موقفه - صلى الله عليه وسلم - موقف الزوج، والقاضي والحامي لأعراض المسلمين والمسلمات, والمحصنين والمحصنات جميعًا، ولم يتعامل مع زوجته كحالة خاصة، بل اتَّخذ معها كل الإجراءات, وبحث عن كل الدلالات والبينات والشهادات لكل من حولها، لإظهار الحقيقة بالبينة والدليل والشهود على عفة زوجته وبراءتها من هذا الاتهام المخزي الشائن.

وبدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - رحلته في التقصي والتبيُّن بسؤال المقربين منه ومن أسرته, فدعا عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يستشيرهما.

"فأما أسامة فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله، وقال: أهلك، لا نعلم إلا خيراً، وأما عليٌّ فقال: يا رسول الله لم يُضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة فقال: أي بريرة! هل رأيت من أهلي شيئاً يريبك؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق! ما رأيت عليها شيئا قط أغمضه عليها, أكثر من أنها جارية حديثة السن, تنام عن عجين فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه, واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول وهو على المنبر فقال: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ والله! ما علمت على أهلي إلا خيراً! ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما يدخل على أهلي إلا معي، فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله! أنا أعذر منه! فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك[3].

"ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت ويقين صادق، لا تزلزله الأحداث ولا تهزه الأعاصير؛ لأن القلب المتيقن يعلم أن هذه الحياة دار ابتلاء وامتحان وتقلب؛ كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [محمد: 31].

كم جرى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى صاحبته من المحن والشدائد، لكنهم واجهوها بالإيمان الصادق والعزم الثابت، حتى اجتازوها بنجاح باهر[4], فتصرَّف النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكمة وأناة وتريث، ولم تكن قراراته المصيرية  بتهوُّر ورعونة أو ردود أفعال سلبية، أو انفعالات لحظية، فلم يُشهر سيفه في وجه كل من تكلم في عرض زوجته الحبيبة لقلبه، ولم يحاول تجريحها وطعنها بالكلام لا تعريضًا ولا تصريحًا، أو حتى توبيخها ولكن قال - صلى الله عليه وسلم -: ... أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، فَإِنّهُ بَلَغَنِي كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْت بَرِيئَةً يُبَرّئُك اللهُ، وَإِنْ كُنْت أَلْمَمْت بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُ النّاسُ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ عَزّ وَجَلّ، فَإِنّ الْعَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمّ تَابَ إلَى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ[5].

كانت مقالة قمة في الحكمة والرحمة والقدوة للمسلمين، فيها أسلوب دعوي واقعي وعقلاني, يمازجه أسلوب عاطفي يملؤه الحب والشفقة، والتناصح والخوف عليها من غضب الله.

وفي رحاب حديثه - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضوان الله عليها والتأمل في كلماته وعباراته ومعانيه التي بين السطور، ولنسبح بعقولنا وقلوبنا في سماء البلاغة النبوية: أَمَا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ تأمَّلوا معي: زوج في قمة حزنه وغضبه من الشائعات التي ملأت المدينة المنورة عن شرف زوجته الحبيبة إلى قلبه, ثم يواجهها قائلًا: يا عائشة، سبحان الله! يناديها باسمها دون تنابز بالألقاب ولا همز ولا لمز، أو أي سبٍّ أو شتم أو مطاعنات، سبحان الله! الواحد منا عندما يغضب من زوجته لأسباب تافهة، يثقل على لسانه أن ينطق باسمها فيناديها يا امرأة أو يا حرمة أو غير ذلك.

فَإِنّهُ بَلَغَنِي كَذَا وَكَذَا، فداك أبي وأمي ما أروعك، قمة الصراحة والوضوح، حكى لها كل ما سمعه لتكون مُلمَّة  بما يقال من حولها، وبما سمعه زوجها عنها, ومستوعبة ما يدور حولها، وقادرة على الدفاع عن نفسها، ومنتهى الأدب النبوي الجمِّ حيث لم يقل لها إن فلانًا قال عنك كذا وكذا، لم يذكر أي أسماء، ولم يسبَّ أو يشتم من قاموا بالإفك، كأن يقول الأفاكين أو الفجرة أو الفاسقين، كان همُّه أن يحصر المحنة في أهم جانب وهو نفيها, ومن ثم التفكير في معاقبة القاذفين لزوجته, كي لا تتفاقم المشكلة وتتوسع أكثر فيصعب حلها، ويفتح أبوابًا أخرى للفتن والبغضاء, وربما سفك دماء, المسلمين في غنى عن ذلك، حكمة بليغة, ووعي وإدراك كامل بالمحاور الأساسية للمشكلة، وتحديد الهدف الرئيس في خطوات الحل ثم الأهداف الفرعية، وقد صبَّ اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - لرسم خارطة الطريق لحل مثل هذه القضايا الشائكة، لكل قاض أو زوج أو أخ أو أب، أما في زماننا هذا يكون رد الفعل أرعن ووقتيّاً ومتهوّراً دون أي مواجهة أو مصارحة، فتتغير معاملة الزوج دون سابق إنذار, وتكون الزوجة كالمغفلة لا تعلم شيئًا مما يدور حولها، والجميع يهمزون ويلمزون عليها, وتتمنى الزوجة أن تعرف ماذا سمع زوجها بالضبط، لتستطيع الدفاع عن نفسها ولكن هيهات، لا تجد غير الهمز واللمز والسخرية والتوبيخ والتعذيب أحياناً, والطعن في شرفها في كل مجلس, وربما الطلاق دون التأكد والتحري من كونها مذنبة أصلاً أم لا.

فالداعية لا بد أن يكون أكثر تريثاً وعدالة واقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، في كل أفعاله وأقواله ومواقفه في السراء والضراء.

فَإِنْ كُنْت بَرِيئَةً يُبَرّئُك اللهُ، مقولة تحمل معنى الاعتقاد السليم في الله وحده, وفيها تجرُّد من الحول والقوة, إذ لم يقل لها أنا سأتكفل ببراءتك بل نسب الحول والقدرة لله وحده, وهذا فيه تعميق لتوحيد الربوبية في قلبها، "والله عز وجل فطر جميع خلقه على معرفة هذا النوع من التوحيد، فلذلك يلجئون إليه عند النوائب، ويفزعون إلى الله كُلَّما ألجأتهم الأزمات، وألمت بهم الكربات، وأصابتهم النكبات، فيخلصون له العبادة"[6]، وهنا تظهر العبادات القلبية وبالأخص عبادة تعظيم الله وعبادة الرجاء عبادة الصبر والتوكل، وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، أيضا حكمة وعدالة وحيادية تامة وثقة بالله وحسن ظن به جل في علاه، وتجرد من الغيبيات ومن الحول والقوة والعزة والمكانة الاجتماعية المرموقة، فهو النبي الخاتم والقائد والمربي، وزوجته المتهمة هي أم المؤمنين، وهي الصديقة ابنة الصديق، فلا يمكن أن توصف السيدة عائشة رضي الله عنها بكل تلك الصفات الحميدة ثم تتهم  في قضية أخلاقية. وحادثة الإفك تشمئز منها الفطرة السوية حيث لا يُمكن لابن أن يزاني أمه، فكما نعلم أن أمهات المؤمنين يحرم عليهن الزواج بأي رجل بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فهنَّ أمهات لكل المسلمين، ثم كيف لرجل أن يجرؤ أن يزاني زوجة زعيم الأمة وقائد الدولة الإسلامية, ونبي الله وخاتم الأنبياء؟.

لاحظوا معي جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الكلمات الصغيرة ذات المعاني العظيمة في هذا المصاب الجلل, وهذه الفاجعة المؤلمة، وعلى كل داعية ومسلم أن يستفيد من الدروس العظيمة من حادثة الإفك, ليتعلموا كيف يتماسكون ويتثبتون ويتصرفون بحكمة وأناة في كل المواقف المفجعة والابتلاءات المحزنة، وكيف يتجردون من الحول والقوة في حل المشكلات ومواجهة المواقف العاصفة, ويفوضون أمرهم إلى الله, بعد اتخاذ كل الأسباب، "ممَّا لا شك فيه أن الغيبيات نوع من المخرج السهل من الضيق والأزمات، بدلاً من تعميق التفكير في الأسباب والمسببات، وهو الطريق الصحيح للخروج من الضيق والأزمات، ولقد مرت الأمة الإسلامية في فترات صعبة كثيرة، وكانت تخرج من الضيق والأزمات بالتفكير المستنير لاجتياز تلك الأزمات، بمعرفة الأسباب والمسببات، وبالتالي التفكير في الأسباب المسببات"[7]، وكان الفرج قريبًا وكبيرًا بقدر الضيق والفاجعة, فقد كانت البراءة  قرآنًا يتلى, وأنزل الله في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها آيات سماوية تبرؤها, لم تُبرَّأ بلسان بشر لا زوجها - صلى الله عليه وسلم -, ولا صديقاتها ولا حتى أبويها, بل بُرئت بكلمات الله التامة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [8].

أما في زماننا هذا إذا أحب زوج زوجته نصف حب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها ثم بلغه خيانتها، فسيكون ردُّ فعله على أغلب الظن أرعن ومتهورًا وربما انصدم فيها واتخذ قرار طلاقها دون أي تبين أو تريث أو مواجهة, وإما قتلها أو قتل من كان معها، أو قتل من نشر هذه الشائعة, أو أن تكون ثقته عمياء فيها فلا يسأل ولا يتحرى ولا يواجهها بما سمع ويطعن في كل من يتكلم عن زوجته، ويفقد صوابه ويتخبط ويتصرف بكل همجية، ويتلفظ بأبشع الكلمات, أو ينصبُّ تفكيره على الانتقام من كل من تكلم في شرف زوجته.

إن وقفاتنا التأمُّلية والتمحيصية لسيرة خير البرية، ستصحح لا محالة كثيرًا في مسيرتنا الدعوية، فكما أشار لذلك نبينا الحبيب - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع حيث قال: وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ، اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ...[9].

المراجع



[1] الدكتورة فاطمة الزبير علي الزبير، داعية سودانية ناشطة في مجال العمل الخيريّ الاجتماعي، وهذا البحث جزء من رسالة الدكتوراة التي أعدّتها تحت عنوان: "جوامع الكلم النبوي وتأثيره في الدعوة"، وقد خصّت الملتقى الفقهي بنشر بعض فصوله، فجزاها الله خير الجزاء.

[2] أخرجه الترمذي، كتاب: المناقب، باب في فضل عائشة رضي الله عنها، رقم الحديث 3886.

[3] السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لمحمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبي حاتم، الدارمي, الكتب الثقافية، بيروت، ط3، 1417هـ, ج1, ص 277.

[4] الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار ابن الجوزي، ط4، 1420هـ/ 1999م, ج1، ص 303.

[5] مغازي الواقدي، ذكر عائشة وأصحاب الإفك، ج2, ص426.

 [6]أول واجب على المكلف عبادة الله تعالى وضوح ذلك من كتاب الله ودعوات الرسل، لعبد الله بن محمد الغنيمان، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ج62, ص 3.

[7] الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة لعبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله الدوسري، مكتبة دار الأرقم، الكويت، ط1، 1982م، ج1, ص 121.

[8] سورة النور: الآية 19-20.

[9] أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: حجة النبي - صلى الله عليه وسلم-، رقم الحديث 890.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام