الخميس 01/01/1439 - الموافق 21/09/2017 آخر تحديث الساعة 12:42 ص مكة المكرمة 10:42 م جرينتش  
بحوث أصولية
معالم فقه الخلاف في الشريعة الإسلامية (1)

معالم فقه الخلاف (1)

1431/02/16 الموافق 31/01/2010 - الساعة 02:49 م
|


 مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران:102].

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70، 71].

أما بعد:

فإن الله أرسل رسوله محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون؛ فأشرقت الأرض بنور رسالته، وانتفع وفاز وأفلح بها من تبعوه وصحبوه صلى الله عليه وسلم؛ إذ اهتدت به نفوسهم بعد حيرتها, وتآلفت به قلوبهم بعد شتاتها، واجتمعوا به بعد تفرقهم, واعتصموا بما جاء به من الهدى وعضوا عليه بالنواجذ.

فكانوا رضي الله عنهم لا يصدرون إلا عن رأيه صلى الله عليه وسلم، ولا يسيرون إلا على طريقه، وما اختلفوا فيه من شيء أرجعوه إليه، فكان القول له، والفصل ما ينطق به، فلما أكمل الله به الدين أعظم إكمال، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين أبلغ إتمام، اختار له خيراً مما كان فيه، وألحقه بالرفيق الأعلى.

وما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد ترك أمته على المحجّة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، كما قال صلى الله عليه وسلم: «قد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»[1]

فقام بهذا الدين من بعده ذلك الجيل الفريد، الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، ومنَّ الله عليهم بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ففتحوا القلوب بجهاد العلم والحجة والدعوة والبيان، وفتحوا الأمصار بجهاد السيف والسنان، وأنقذوا الناس بالإيمان والإسلام.

فكانوا –رضوان الله عليهم– بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدر التعليم ومرجعية البشر، ورغم أنهم كانوا يختلفون في كثير من المسائل في العلم والعمل إلا أنهم كانوا يحتكمون فيها إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، دون أن يكون لاختلاف آرائهم أثر في جماعتهم؛ لإدراكهم ما يسوغ فيه تباين الآراء وما لا يسوغ فيه ذلك، ولمعرفتهم مواطن الإنكار على المخالف من مواطن الإعذار له، وبهذا كانوا جسداً واحداً مجتمعي الكلمة، مؤتلفي القلوب؛ فنصروا الملة، ونشروا الخير، وانتفع بهم الناس.

وقد نقلوا – رضوان الله عليهم– هذا المنهج الذي تلقوه من مشكاة النبوة خالصاً إلى قلوب التابعين، فجرى التابعون لهم بإحسان في ذلك، وساروا على طريقتهم، ولزموا جادتهم.

ثم سلك هذا المسلك الرشيد تابعوا التابعين، وهدوا إلى صراط الحميد، ثم نهج هذا المنهج أئمة الهدى من علماء هذه الأمة، ودرج عليه الموفقون من أتباعهم زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، وكان دين الله في نفوسهم أعظم وأجل من أن يقدّموا عليه قول أحد من الناس، أو يعارضوه برأي أو قياس[2].

ثم خلف من بعدهم خلوف حكَمهم الهوى، واستحكم في قلوبهم التعصب، ففرقوا دينهم شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون.

حتى وصلت الأمة المسلمة إلى ما نعيشه اليوم من واقع كبرت فيه دائرة الخلاف، واتسعت به رقعة الفرقة بين المسلمين عامة وخاصة، فتشرذموا طوائف ومذاهب وفرق وجماعات، وشاع التعصبُ لكل قول ومشرب، ووصل الأمرُ إلى أن بغى بعضهم على بعض، ورمى كل طرف الآخر بالتهم والنقائص, وظهرت الموالاة والمعاداة على الأسماء والرسوم والإشارات والرجال والزعامات, في جو من الخصام والفصام، لا يرضاه أي محب، ويسعد له كل مبغض، فأدى ذلك إلى فشلهم ووهنهم، وذهاب ريحهم، حتى سيطر وتسلط عليهم أعداؤهم، وسلبوهم ما في قصعتهم, وتحكموا في كل أمر من أمورهم.

ومثل هذا الواقع المر لا يمكن للمسلمين أن يتجاوزوه ولا أن تصلح أحوالهم إلا باعتصامهم بدينهم، وتوحيد كلمتهم على كلمة التوحيد.

وقد أصبح القيام بهذا الأمر مطلباً ضرورياً، وحاجة ملحة، وقبل ذلك أداءً لفريضة شرعية، وحفظاً لأصل من أصول الملة.

ويقع القيام بهذا الأمر العظيم في المقام الأول، على العلماء وحملة الشريعة، فهم الأقدر على إرجاع المسلمين إلى جادة الصواب، وصرف دلاهم إلى المعين الصافي، وتربيتهم على نبذ الفرقة والاختلاف.

وقد ظهرت محاولات علمية وعملية عدة لتحقيق هذا الهدف النبيل، ومن ذلك بيان فقه الخلاف في الأحكام الشرعية، والتأصيل الشرعي لذلك، مع إبراز ما دوَّنه أئمة الإسلام في هذا الشأن في ثنايا كتبهم ومسائلهم ومقالاتهم، وجمع ذلك في مؤلف جامع لشتات مسائل هذا الفقه؛ ليسهل على المريد له تناوله ومعرفته، إلا أن الأقلام الإسلامية التي تناولت هذا الموضوع لم تأت عليه – حسب علمي – من كل جوانبه، كما أن ما فيها يحتاج إلى جمع وترتيب وصياغة وتهذيب، ولا زالت هذه الجهود المبذولة دون الحد المطلوب لعلاج مثل هذه المشكلة البالغة الأهمية، والتي تحتاج إلى مزيد عناية واهتمام، وحظ وافر من البحث والدراسة.

فأحببت بجهد متواضع أن ألحق بركب هذه الجهود الإصلاحية، فأدليت بدلوي في هذا المجال إحياءً لمنهج أهل السنة والجماعة في فقه الخلاف، ورغبة في توحيد المسلمين واجتماعهم, وإزالة بواعث فرقتهم واختلافهم, راجياً من الله المثوبة على ذلك؛ «إذ السعي في جمع كلمة المسلمين وإزالة ما بينهم من الشقاق من أفضل الجهاد في سبيل الله، وأفضل الأعمال المقربة إلى الله»[3] .

وأردت أن يكون جهدي هذا هو البحث الذي أتقدم به لنيل درجة الماجستير، وقد أسميت هذا العمل المتواضع: «معالم فقه الخلاف في الشريعة الإسلامية».

أسباب اختيار الموضوع:

1- ما سبق ذكره من حاجة المسلمين اليوم إلى توحيد كلمتهم، ورص صفوفهم بعد أن تمزقوا كل ممزق، وذلك لن يتأتى إلا إذا توحد تصورهم وفهمهم لدينهم، ومما يساعد على ذلك إبراز القواعد والضوابط التي تحكم اختلافهم، وتبين لهم الموقف الشرعي من أي خلاف أو مخالف.

2- ضعف فقه الخلاف لدى كثير من طلاب العلم والدعاة إلى الله، مما أدى إلى فشوِّ الظلم والبغي والقطيعة بينهم، وإلى الهضم والإجحاف عند تقويم الأقوال والرجال والمصنفات والمذاهب والجماعات.

3- إن هذا الموضوع –على أهميته– لم يلق عناية كافية من العلماء والباحثين المعاصرين، وحسب علمي أن الدراسات العلمية التي تناولته لم تستوعبه، ولم تشمله من كل جوانبه، وأظن الاعتناء بهذا الفقه، وإبراز معالمه من المهمات التي ينبغي أن يتصدر لها العلماء والباحثون في هذا العصر.

4- الرغبة الشخصية في تأصيل هذا الفقه، وإبراز معالمه للمسلمين، لدلالتهم على الخير، راجياً أن يكون في ميزان الحسنات يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أهمية البحث والهدف منه:

تتضح أهمية البحث في حجم المشكلة التي يعالجها، فهو:

- يعالج مشكلة أمة مزقتها سهام الفرقة، وقطعتها سيوف الشقاق.

- ويسهم في إزالة حيرة بعض الناس لما يراه من تباين آراء علماء المسلمين في كثير من الأحكام، ويرد على سوء الفهم الذي علق بأذهان بعضهم عن حقيقة الاختلاف في دينهم، لاسيما بعض مثقفي الأمة الذين أرجف المرجفون في أذنه فأساء الظن في الإسلام وفي أحكامه.

- ويعالج ظاهرة الترخص في أخذ الأحكام الشرعية، والتشهي في اختيار ما يوافق الهوى منها، هذه الظاهرة التي برزت بين المسلمين، لا سيما في عصرنا هذا، حتى صار الكثير منهم عند استفتائه، أو بحثه عن الحكم الشرعي في مسألة ما، لا يبحث عن صحة الدليل، ولا ينظر في صحة الاستدلال به، وإنما يبحث عن أسهل الفتاوى بما يتلاءم ورغباته في التفلت من التكاليف، بحجة أن المسألة فيها خلاف ولو كان دليلها سقيماً أو الاستدلال عليها فاسداً.

- كما يعالج ظاهرة التجرؤ على علوم الكتاب والسنة، من غير المؤهلين المتجرئين على الفتوى، والعابثين بأحكام الشريعة، مع معالجته أيضاً لظاهرة التطاول على العلماء، وجحد حقوقهم وهضم منزلتهم من جهة، ومن جهة أخرى يعالج ظاهرة التعصب المذهبي، وتقديس أقوال الرجال، وتقديمها على نصوص الكتاب والسنة، والدعوة إلى التقليد المحض الذي عطل العقول والمدارك عن دورها في استنباط الأحكام الشرعية، ووظيفتها في إدراك الخطأ من الصواب.

إذاً فالهدف من هذا البحث هو: إبراز معالم فقه الخلاف من أسباب وضوابط وأحكام وآداب وفق منهج الصحابة وسلف هذه الأمة الذين اجتمعوا على الهدى والنور، لاسيما وقد ظهرت دعوات معاصرة لتوحيد المسلمين، دون النظر إلى المنهج الصحيح الذي يجب أن يجتمعوا ويتفقوا عليه، فلا هم لأصحاب هذه الدعوة إلا مجرد الاجتماع، ولو على خلاف التصور والاعتقاد الصحيح.

وفي المقابل ظهرت أيضاً دعوات أخرى إلى المنهج والفهم الصحيح للإسلام الذي يجب أن يعتصم به المسلمون ويجتمعوا عليه، إلا أنها أيضاً أخفقت في جمع المسلمين عليه لغياب الخطوات العملية التي تحقق ذلك في السلوك والعمل.

فقصرت كل من الطائفتين في جانب من الحق وحادت عن منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، الذين هم أهل الحق الذي لا يحيدون عنه ولا يداهنون فيه، وهم الجماعة الذين اعتصموا بحبل الله جميعاً ولم يتفرقوا، والمخرج لنا من كل فتنة وفرقة وفي كل حادثة ومعضلة هو الأخذ بمنهجهم بعقد القلوب عليه وقيام الأعمال به، فبه يجتمع المسلمون على الحق ولن يتفرقوا عنه، وينأوا عن الباطل ولن يميلوا إليه، ويعيشون في ائتلاف وإن وجد بينهم ما يسوغ فيه التباين والخلاف.

منهج البحث والدراسة:

سلكت في البحث المنهج الاستقرائي الاستنباطي؛ فجمعت ما أمكن من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار عن الصحابة والتابعين المتعلقة بالموضوع، وتصنيفها حسب مضمونها بما يتوافق مع خطة البحث.

كما رجعت إلى ما كتبه أهل العلم في الجماعة والفرقة والاختلاف مع الاستفادة من كتب الفقه، ومواطن الخلاف فيها لاستنباط معالم هذا الفقه من خلال ممارسة وتطبيق الفقهاء له.

وخلصت إلى أسباب وأنواع الخلاف الموجودة بين المسلمين مع بيان الضوابط والآداب التي تقلل من الخلاف وترشده، كل ذلك على أسس منهجية وعلمية بحسب دراستي وتصوري للموضوع، معتمداً على الأدلة الشرعية، وأقوال أهل العلم في ذلك.

كما قمت بعزو الآيات إلى سورها، وتخريج الأحاديث والآثار من الكتب المعتمدة للسنة ونسبة الأقوال التي اعتمدت عليها إلى أصحابها، مع إعداد فهارس علمية للموضوع بصورة تخدم البحث والباحثين.

وقد عزفت عن تراجم الأعلام حتى لا أثقل الرسالة بالحواشي، لا سيما مع تيسر معرفتها اليوم من كتب وموسوعات التراجم.

خطة البحث:

يتكون البحث من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.

المقدمة:

وشملت:

- أسباب اختيار موضوع البحث.

- أهمية البحث والهدف منه.

- منهج البحث والدراسة.

- خطة البحث .

التمهيد:

- نشأة الخلاف.

- أهمية فقه الخلاف.

الفصل الأول: الجماعة والخلاف، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: الجماعة مفهومها، وحكم لزومها شرعاً، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: مفهوم جماعة المسلمين.

المطلب الثاني: حكم لزوم جماعة المسلمين.

المطلب الثالث: ما يخرج المسلم من الجماعة.

المبحث الثاني: الخلاف مفهومه وأنواعه وحكمه الشرعي، فيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: مفهوم الخلاف.

المطلب الثاني: أنواع الخلاف.

المطلب الثالث: حكم الخلاف.

الفصل الثاني: أسباب الخلاف، وفيه ثلاثة مباحث:

            المبحث الأول: الأسباب الخَلْقيّة.

            المبحث الثاني: الأسباب العلمية.

المطلب الأول: تعدد أوجه قراءة القرآن الكريم.

المطلب الثاني: طرق ثبوت الحديث النبوي.

المطلب الثالث: دلالة نصوص القرآن والسنة.

المطلب الرابع: انعدام النص الشرعي في المسألة.

المطلب الخامس: وضع اللغة العربية.

المطلب السادس: التقعيد الأصولي.

المطلب السابع: التقعيد الفقهي.

المطلب الثامن: التقعيد المقاصدي.

المطلب التاسع: تحقيق مناط الحكم.

      المبحث الثالث: الأسباب الخُلُقِيّة، وفيه ستة مطالب:

المطلب الأول: الجهل.

المطلب الثاني: البغي.

المطلب الثالث: الهوى.

المطلب الرابع: العصبية.

المطلب الخامس: كيد الأعداء .

المطلب السادس: الذنوب والمعاصي.

الفصل الثالث: ضوابط الخلاف، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: ضوابط التلقي والاستدلال للأحكام الشرعية، وفيه ثلاثة   مطالب:

المطلب الأول: الغاية المطلوبة من الأحكام الشرعية.

المطلب الثاني: الأصل الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية.

المطلب الثاني: الطرق المسلوكة في معرفة الأحكام الشرعية.

          المبحث الثاني: ضوابط الرد على المخالف والتعامل معه، وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: الرد على المخالف بقصد النصيحة.

المطلب الثاني: الرد على المخالف بعلم.

المطلب الثالث: الرد على المخالف بعدل.

المطلب الرابع: الرحمة بالمخالف.

الخاتمــة:

الفهارس:

- فهرس الآيات القرآنية.

- فهرس الأحاديث النبوية.

- فهرس الأعلام.

- فهرس المصادر والمراجع.

- فهرس تحليلي لموضوعات البحث.

التمهيد:

أولاً: نشأة الخلاف:

لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رضوان الله عليهم يبلغهم دين الله سبحانه، ويعلمهم أحكامه، ويقضي بينهم بشرعه لم يختلفوا كثيراً في استنباط الأحكام الشرعية؛ وإن اختلفوا في حكم مسألة رجعوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكونه مصدر بيان الأحكام الشرعية في كل شأن من شؤونهم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقر المصيب منهم، إن كان الصواب مع أحدهم، أو يبين لهم وجه الصواب إن كان قد خفي عليهم؛ وبهذا ينحسم الخلاف بينهم ويجتمعون على قوله صلى الله عليه وسلم ويصدرون عن رأيه.

مثال ذلك ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل؛ فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب»، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء:29]، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً)[4] .

فرسول الله صلى الله عليه وسلم بسكوته أقر عمراً رضي الله عنه على اجتهاده، وأن ما فعله كان صواباً، وانحسم الخلاف في هذه المسألة.

ومثله أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين»)[5] .

فبين النبي صلى الله عليه وسلم لهما ولأصحابه أن من لم يعد الصلاة أصاب الشريعة الثابتة بالسنة، ومن أعاد الصلاة كان له الأجر مرتين؛ لأن كلاً منهما صلاة صحيحة تترتب عليها المثوبة وإن لم يكن مطالباً شرعاً بالثانية؛ لأنها تطوع منه والفريضة هي الأولى[6] .

وهكذا مضى الصحابة صلى الله عليه وسلم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجعون إليه في كل ما ينزل بهم من نوازل، أو يستجد فيهم من مسائل فيبينها لهم، وبذلك يرتفع خلافهم ويصبح إقراره أو بيانه بعد ذلك سنة وشريعة فيهم، وهكذا دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هداية أصحابه ورعايتهم وبيان الحق لهم، فيما جهلوه أو اختلفوا فيه في كل أمر من أمورهم، وما مات إلا وقد تركهم على البيضاء الواضحة كما قال عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عند موته صلى الله عليه وسلم: (والله ما مات حتى ترك السبل نهجاً واضحاً؛ فأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق وحارب وسالم، ما كان أرعى غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاة بمخبطه، ويمدر حوضها بيده، بأنصب ولا أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم)[7] .

وبوفاته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي ولم يبق للصحابة رضي الله عنهم بعد شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم مصدراً للتشريع إلا كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وعوها وحفظوها عنه، فكانوا يعرضون ما نزلت بهم من حوادث وما اختلفوا فيه من مسائل على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن وجدوا لله –عزّ وجل- أو لرسوله صلى الله عليه وسلم فيها حكماً قضوا به، وإن كانت مستجدة لم يقض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بحكم، اجتهدوا في استنباط حكمها، يلحقون النظير بنظيره، ويردون الشبيه إلى شبيهه، يجتهدون في ذلك ولا يألون جهداً في موافقة الشرع.

قال ولي الله الدهلوي: (فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي، فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها، فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب، اجتهد برأيه وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكم في منصوصاته، فطرد الحكم حيثما وجدها، لا يألو جهداً في موافقة غرضه -عليه الصلاة والسلام- فعند ذلك وقع الاختلاف  بينهم)[8]  .

كاختلافهم في قتال من ارتد من العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر حتى أقام أبو بكر رضي الله عنه الحجة عليهم في ذلك فأجمعوا على رأيه.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: (لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله»، فقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها» قال عمر رضي الله عنه: «فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق»[9] .

وكاختلافهم في توريث الجد مع الأخوة[10] .

إذ ذهب أبو بكر وابن عباس وكثير من الصحابة رضي الله عنه إلى أن الجد يسقط جميع الأخوة والأخوات في الميراث كالأب.

وكان زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم يورثون الأخوة مع الجد، وبينوا أن الجد لا يحجب الأخوة من الميراث لأنه يدلي إلى الميت بواسطة الأب كالأخوة سواء بسواء.

إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي اختلف فيها الصحابة ي في العلم والعمل.

ومع تفرق الصحابة في الأمصار بعدما فتحوها، وما كان مع كل واحد منهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس مع الآخر، اتسعت دائرة الخلاف والتباين في آرائهم واجتهاداتهم، وقد أخذ ذلك عنهم التابعون كل في مكانه، وهكذا امتد الاختلاف فيما يستجد من أحكام إلى التابعين واتسع نطاقه في وقتهم تبعاً لتجدد الحوادث والمسائل التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، فاختلفت اجتهاداتهم وآراؤهم في تلك الحوادث لاختلاف علومهم وتفاوت مداركهم ولعدم بلوغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكملها إلى كل واحد منهم، وغيرها من أسباب الخلاف الآتي ذكرها.

ثم أتى بعد التابعين تابعوهم، كأبي حنيفة ومالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد وأمثالهم من علماء وأئمة هذه الأمة «فسلكوا على آثارهم اقتصاصاً، واقتبسوا هذا الأمر عن مشكاتهم اقتباساً، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم، وأعظم في نفوسهم، من أن يقدموا عليه رأياً أو معقولاً أو تقليداً أو قياساً فطار لهم الثناء الحسن في العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين»[11] .

قال الحافظ ابن حزم مبيناً نشأة الخلاف وأسبابه بين الصحابة ومن بعدهم:(وقد علم كل أحد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا حوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة مجتمعين، وكانوا ذوي معايش يطلبونها وفي ضنك من القوت شديد، قد جاء ذلك منصوصاً وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أخرجهم الجوع من بيوتهم، فكانوا من متحرف في الأسواق ومن قائم على نخله، ويحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت منهم الطائفة إذا وجدوا أدنى فراغ مما هم بسبيله.

هذا ما لا يستطيع أحد أن ينكره، وقد ذكر ذلك أبو هريرة رضي الله عنه فقال: «إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم، وكنت امرأً مسكيناً أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني»[12] ، وقد أقر ذلك عمر فقال: «فاتني مثل هذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق في الأسواق» ذكر ذلك في حديث استئذان أبي موسى[13] .

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن المسألة ويحكم بالحكم ويأمر بالشيء ويفعل الشيء، فيعيه من حضره ويغيب عمن غاب عنه.

فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم وولي أبو بكر رضي الله عنه فمن حينئذٍ تفرق الصحابة للجهاد إلى مسيلمة وإلى أهل الردة وإلى الشام والعراق، وبقي بعضهم بالمدينة مع أبي بكر رضي الله عنه.

فكان إذا جاءت القضية ليس عنده فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سأل من بحضرته من الصحابة عن ذلك، فإن وجد عندهم رجع إليه وإلا اجتهد في الحكم ليس عليه غير ذلك.

فلما ولي عمر رضي الله عنه فتحت الأمصار، وزاد تفرق الصحابة في الأقطار، فكانت الحكومة تنزل في المدينة أو في غيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر حكم به، وإلا اجتهد أمير تلك المدينة في ذلك، وقد يكون في تلك القضية حكم عن النبي صلى الله عليه وسلم موجود عند صاحب آخر في بلد آخر.

وقد حضر المديني ما لم يحضر المصري، وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضر البصري، وحضر البصري ما لم يحضر الكوفي، وحضر الكوفي ما لم يحضر المديني، كل هذا موجود في الآثار وفي ضرورة العلم، بما قدمنا من مغيب بعضهم عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات، وحضور غيره، ثم مغيب الذي حضر أمس وحضور الذي غاب فيدري كل واحد منهم ما حضر ويفوته ما غاب عنه، وهذا معلوم ببديهة العقل وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره, وجهله عمر وابن مسعود فقالا: «لا يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين»، وكان حكم المسح عند علي وحذيفة وغيرهم وجهلته عائشة وابن عمر وأبو هريرة وهم مدنيون، وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود وجهله أبو موسى، وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وعند أبي سعيد وجهله عمر.

وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سليم وجهله عمر وزيد بن ثابت، وكان حكم تحريم المتعة والحمر الأهلية عند علي وغيره وجهله ابن عباس، وكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما، وجهله طلحة وابن عباس وابن عمر.

ومثل هذا كثير جداً فمضى الصحابة على ما ذكرنا ثم خلف بعدهم التابعون الآخذون عنهم وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإذا تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة وكانوا لا يتعدون فتاويهم لا تقليداً لهم ولكن لأنهم إنما أخذوا ورووا عنهم إلا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة رضي الله عنهم كاتباع أهل المدينة في الأكثر فتاوى ابن مسعود واتباع أهل مكة في الأكثر فتاوى ابن عباس.

ثم أتى بعد التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريج بمكة ومالك وابن الماجشون بالمدينة وعثمان البتي وسوار بالبصرة، والأوزاعي بالشام والليث بمصر فجروا على تلك الطريقة من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده فيما كان عندهم واجتهادهم فيما لم يجدوا عندهم وهو موجود عند غيرهم و{لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286].

وكل من ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه حكم النبي صلى الله عليه وسلم أجرين، ومأجور فيما خفي منه أجراً واحداً، وقد يبلغ الرجل مما ذكر حديثان ظاهرهما التعارض، فيميل إلى أحدهما دون الثاني بضرب من الترجيحات ...، ويميل غيره إلى الحديث الذي ترك هذا بضرب من تلك الترجيحات ...

ثم كثرت الرحل إلى الآفاق وتداخل الناس والتقوا وانتدب أقوام لجمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم وضمه وتقييده، ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شيء منه، وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأول في الحديث، وعرف الصحيح من السقيم، وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ترك عمله، وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن بلوغه إليه وقيام الحجة به عليه)[14]  .

ولم تكن المذاهب الفقهية محصورة في الأئمة الأربعة فحسب، بل كان الأئمة المتبوعون كثيرين منتشرين ومتوزعين في الأمصار، بل ربما كان يوجد في المدينة الواحدة أكثر من إمام متبع في عصر واحد، وفي عهد هؤلاء الأئمة بدأ تدوين العلوم وجمعها وفي آخر عهدهم كثرت الرحلة في طلب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمعها ووضعت لذلك أصولاً يتميز بها صحيحها من سقيمها.

وما جمعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوينها المشهورة إلا والمذاهب الفقهية قد تمايزت، وأصبح لكل إمام تلاميذ وأتباع وإن لم يكونوا وقتها مقلدين لأئمتهم كما هو التقليد عند المتأخرين بل كانوا يبحثون عن الأقوال وأدلتها ويأخذون بقول إمامهم لقوة دليله عندهم وظهور حجته لديهم لا لأجل التقليد المحض «زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين صارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل طاروا إليه زرافات ووحداناً، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر الله انتدبوا له ولا يسألونه عما قال برهاناً، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس»[15] .

ومع تطاول العهد بالناس فشا التقليد، واستشرى التعصب، وهجرت النصوص، ونودي بغلق باب الاجتهاد، وأصبح جل علماء المذاهب الفقهية لا جهد لهم إلا التخريج والاستنباط على قواعد أئمتهم وأقوالهم، وشرح وتدريس كتب مذاهبهم واختصارها وحفظها، زاهدين في كتب السنة والآثار .

فعظم التعصب بين أتباع المذاهب، واتسعت دائرة الخلاف فيما بينهم «و{فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم:32] وجعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}[الزخرف:23]، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب».

حتى وصلت الفرقة بين المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة أنهم ومنذ القرن السادس الهجري إلى عهد قريب، لم يكن يصلي بعضهم خلف بعض في المسجد الحرام، وغيرها من مساجد الحواضر الإسلامية، بل تقام الصلاة في نفس المسجد لأربعة مذاهب و لكل مذهب جماعة بإمام[16] .

والحق: أن أئمة المذاهب والمحققين من أهلها براء من ذلك كله، فلم يزل من يقوم بأمر الدين، ويهدي بالكتاب، ويمسك بالسنن، ويرجع الناس إلى الصواب، في كل عصر، ومن كل مصر، وبرز من علماء كل مذهب من نبذ العصبية المذهبية، وإلى تقديم ما تؤيده الحجة الشرعية على آراء وأقوال الرجال، ومثل هذه الدعوات المخلصة أزالت كثيراً من مظاهر الفرقة والاختلاف بين المسلمين، مع أن التباين في الآراء والاختلاف في الاجتهادات ما زال بين العلماء إلى اليوم وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لأسباب سنعرض لها لاحقاً في هذا البحث. 

ثانياً: أهمية فقه الخلاف:

عندما غاب فقه الخلاف عن كثير من حملة الشريعة ودعاة الإسلام في أيامنا هذه، وجدناهم وموقفهم من الخلاف العلمي طوائف:

- طائفة ضاقت بهذا الخلاف ذرعاً، ونفته البتة، ولم تقبل بأي تباين رأي في أي مسألة بين المسلمين، وأرادت جمع الأمة لزاماً على رأي واحد في كل قضية صغيرة كانت أو كبيرة.

- وطائفة أخرى جعلت من وجود الخلاف دليلاً على مشروعية كل قول وصوابه، وأخذت تتخير من أقوال أهل العلم ما تهواه بحجة أن المسألة فيها خلاف، وما كان فيه خلاف شاع وساغ التخيير فيه والانتقاء.

- وطائفة من المتعالمين -بعضهم ممن يحمل الشهادات الجامعية- جعلت الاجتهادات الفقهية ـ بزعمها ـ تجزئة للدين بآراء شخصية لا تمت إلى الشرع بصلة وزعمت أن الموسوعة الفقهية والعلمية لفقهاء وعلماء المسلمين تعبر فقط عن فهم أصحابها ولا يلزم أحداً من الأمة العمل بها.
ومما ساعد على هذا الفهم الخاطئ وجود طائفة أخرى جعلت من وجود الخلاف ذريعة للتقليد الأعمى والإتباع المطلق للأشخاص والرجال، وأنزلت آراء واجتهادات من قلدتهم من العلماء منزلة النصوص الشرعية التي لا يسع أحداً الخروج عليها ولو إلى اجتهاد آخر لعالم أوسع علماً وأقوى حجة وأظهر دليلاً بحجة أن مقَلَّده أعلم وأفهم، وقد أدى ذلك إلى معارضة نصوص الكتاب والسنة وطرحها وتقديم أقوال الرجال عليها.

ولو أنهم جميعاً أمعنوا النظر في مواطن النزاع بين الفقهاء، ودرسوا بواعث وأسباب الخلاف بين العلماء، وتفحصوا ما صدر عنهم من اجتهادات فقهية اختلفوا فيها، لعلموا أن لكل منهم أدلته وأصوله الشرعية وقد استفرغ وسعه في بيان أحكام الكتاب والسنة، وكان لاختلاف اجتهاداتهم أسباب ومبررات شرعية من تأملها أدرك ما أدركه كثير من أهل الحق الذين ميزوا بين الأحكام الفقهية التي صدرت عن أولئك العلماء وهي محل اتفاق بينهم لا ينازع فيها إلا أهل الشذوذ والفرقة، وبين الاجتهادات التي اختلفوا فيها والتي لم تصدر منهم بالهوى والتشهي، وإنما بذلوا فيها جهدهم واستفرغوا لها وسعهم، قاصدين مراد الشارع، راغبين بثوابه، متمرجحين بين أجر المخطئ وأجري المصيب، وخطأ بعضهم في إصابة الحق لا يقدح في علم الشريعة ولا يغمط العالم المخطئ قدره علمه.

فكما أن العالم في فرع من فروع العلوم التطبيقية -على سبيل المثال- قد

يخطئ في استخراج قانون أو استنباط قاعدة علمية، ويكون ذلك الخطأ غير قادح في ذلك العلم، بل يرجع إلى العالم المستنبط لذلك القانون، فكذلك الحال بالنسبة للعالم في العلوم الشرعية، فإنه يتعامل مع علم الشريعة المضبوط بالأصول والقواعد والأدلة، لكنه قد يخطئ عند استنباطه للحكم، وحتى في هذه الحالة فإن خطأ العالم الشرعي –وإن كان لا يقبل منه- فإنه لا يقع منه عمداً ولا عبثاً، وإنما لا يكون لقصور أدواته العلمية أو إمكاناته الذاتية، ومع ذلك فيرد عليه إلا أنه يعذر فيه، بل يكون مأجوراً على اجتهاده في معرفة الحكم الشرعي، متى كان مستوفياً لشروط الاجتهاد.

والمنصف من تعامل مع الخلاف تعامل تكامل لا تآكل، تعاملاً يجعل منه خلافاً لا يضر بجماعة المسلمين ولا يؤدي إلى فرقة وشقاق بينهم, وإنما نافعاً لهم، ومقدماً لهم موسوعة فقهية لا نظير لها، عبرت عن بيان وتفسير علماء المسلمين لدلالات النصوص الشرعية، والذي بنوه على أسس علمية، وقواعد شرعية، وأصول صحيحة في الاستدلال والترجيح ودفع التعارض, ومثل «هذا الاختلاف لا يمكن أن لا يكون؛ لأن النصوص الأصلية كثيراً ما تحتمل أكثر من معنى، كما أن النص لا يمكن أن يستوعب جميع الوقائع المحتملة؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير محدودة، فلا بد من اللجوء إلى القياس والنظر إلى علل الأحكام وغرض الشارع والمقاصد العامة للشريعة وتحكيمها في الوقائع والنوازل المستجدة، وفي هذا تختلف فهوم العلماء وترجيحاتهم بين الاحتمالات، فتختلف أحكامهم في الموضوع الواحد، وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه...ولا توجد أمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده، ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي»[17] .

يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: (وإذا كان الصحابة الكرام وهذا شأنهم وعلو مكانتهم اختلفوا في المسائل الاجتهادية الفقهية، فغيرهم أولى بالوقوع في الاختلاف، ونحن لا تضيق صدورنا باختلاف المجتهدين، ولا نحسبه تجزئة للدين، وإنما نراه من مظاهر نشاط فقهاء المسلمين ...إلا أننا تضيق صدورنا بما يرتبه بعض الجهال على اختلاف أولئك الفقهاء من تعصب ذميم وخلاف ذميم، ومن تنزيلهم لأولئك الفقهاء العظام منزلة التقديس والتنـزيه عن الخطأ، وجعل أقوالهم حاكمة على القرآن والسنة، إلى غير ذلك مما يقع فيه المتعصبون الجاهلون...كما تضيق صدورنا بأولئك الذين يدعون عدم التقليد ويسوغون لأنفسهم الاجتهاد مع جهلهم بفهم آية من كتاب الله، ويسوغون لأنفسهم الطعن بالأئمة المجتهدين بحجة اتباعهم للكتاب والسنة)[18] .

وسبب ذلك كله عدم فقه الخلاف ودراسة أسبابه والقواعد الشرعية التي تحكمه، وعدم الاطلاع على أقوال الفقهاء في المسائل ومسالكهم في الاستدلال، ولو عُلم ذلك لعاد فقه الخلاف علينا بعظيم الفوائد التي تتلخص في أمور ثلاثة:

أولاً: سنعرف كيف نتعامل مع الخلاف بما يخرجنا من ذم المختلفين، ويعصمنا من الفرقة والشقاق؛ إذ معرفة فقه الخلاف تحصر الخلاف وتضيقه قدر الإمكان، وتحدد الطريق والسبيل إلى الائتلاف.

بينما غيابها يجعل من الخلاف العلمي بين المسلمين صراعاً يبدد الجهود والطاقات، ويجلب الفشل، ويتسبب في ذهاب الريح وتسلط الأعداء، إلى غير ذلك من الآثار المشؤومة للفرقة والاختلاف.

ثانياً: تنمية الدربة الفقهية والملكة الاستنباطية عند العلماء وطلاب العلم حيث يحصل به -إن شاء الله– «التمرن على تحرير الأدلة وتهذيبها والتبين لمأخذ تضعيفها وتصويبها ويتهيأ لأكثر المستعدين الملازمين للنظر فيه نهاية الأرب وغاية الطلب»[19] والتي لا تتأتى إلا بالاطلاع على أقوال العلماء وأدلتهم واستدلالاتهم واختلافهم في ذلك.

يقول ابن خلدون عن فقه الخلاف: (وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه)[20].

لأن من اقتصر على قول واحد ظن أن الحق ما علمه فيفوته علم كثير وخير وافر أصح وأثبت مما في يديه؛ فيقصر باعه في الفقه وتقل بضاعته في العلم.

قال سلمان بن فهد العودة: (ذلك لأن الجهل بالخلاف قد يؤدي إلى رد بعض الحق الذي لا يعلمه؛ إذ الحق غير منحصر في قول فرد من العلماء كائناً من كان... وجهل المرء بالخلاف يجرئه على ترجيح ما ليس براجح، واستسهال أمر الفتيا والتحليل بمجرد أن يطلع على نص في الموضوع دون أن يبحث هل ثمة نصوص أخرى تخصصه أو تنسخه أو تقيده، وهذا مدعاة إلى الفوضى التي لا نهاية لها، وإلى إثارة الفتنة في صفوف الناس)[21] .

ثالثاً: من فوائد هذا الفقه أن يُعرف للأئمة قدرهم وللفقهاء فضلهم ويُعذروا فيما أخطأوا فيه؛ فبفقه الخلاف نعلم أنهم ما قصدوا الخلاف ولا تعمدوه، وأن قول كل منهم جاء معضوداً بالدليل والحجة وإن تباينت الأدلة والحجج في القوة والضعف وتفاوتت العلوم والفهوم في القلة والوفرة.

 

 


[1] أحمد بن حنبل الشيباني في المسند، مؤسسة قرطبة- القاهرة:(4/26) و ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت: (1/16) برقم (43).

[2] انظر: ابن القيم، محمد بن أبي بكر أيوب، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، 1973م: (1/6، 7).

[3] انظر: تفسير قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}[الروم:32]، في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1416هـ/1996م.

[4] أخرجه أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين، دار الفكر: (1/145) برقم (334) وأحمد في المسند: (4/203) برقم (17845)، والدارقطني، علي بن عمر، سنن الدارقطني، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ/1966م: (1/78) برقم (12).

[5]  أخرجه أبو داود في سننه: (1/146) برقم (338) والدارقطني في سننه: (1/188) والحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ/1990م: (1/286) برقم (632) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

[6]  انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، ط2، 1415هـ، دار الكتب العلمية، بيروت: (1/369).

[7] أخرجه الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، سنن الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1407هـ: (1/52) برقم (83).

[8]  الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم، الإنصاف في بيان أسباب الخلاف، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، دار النفائس، بيروت، ط2، 1404هـ: (ص22، 23).

[9]  البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ: (2/507) برقم (1335).

[10]  انظر: البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، سنن البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ/1994م: (6/251).

[11]  ابن القيم، إعلام الموقعين: (1/3).

[12]  البخاري في صحيحه: (2/421) برقم (1942) ومسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت: (4/1939) برقم (2492).

[13] البخاري في صحيحه: (2/727) برقم (1956) وأبو داود في سننه: (2/767) برقم (5182).

[14]  ابن حزم، علي بن أحمد الأندلسي، الإحكام في أصول الأحكام، ط1، 1404هـ:(2/245-249).

[15]  ابن القيم، إعلام الموقعين: (1/6، 7).

[16] انظر: (ص 196).

[17]  قرار المجمع الفقهي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في عام1408هـ/1987م.
[18] الوجيز في أصول الفقه ، مؤسسة الرسالة ناشرون ، بيروت  ـ لبنان ط1 ، 1427هـ / 2006 م:

( ص345 ـ 346 ) .

[19]  الأسنوي، عبد الرحيم بن الحسن، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ: (ص47).

[20]  ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون: (1/573).

[21]  انظر: العودة، سلمان بن فهد، ضوابط للدراسات الفقهية، دار الوطن، الرياض، ط1، 1412هـ: (ص80).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام