الجمعة 07/04/1440 - الموافق 14/12/2018 آخر تحديث الساعة 12:41 م مكة المكرمة 10:41 ص جرينتش  
مقالات

المطلبي والسياسي في شعارات المحتجين العراقيين

1439/11/16 الموافق 29/07/2018 - الساعة 04:18 م
|


عمر كوش

 

 

 

يمكن القول إن ما يحدث من مظاهرات في جنوب العراق ووسطه، في أيامنا هذه، هو استمرار لحراك احتجاجي رافض من جماعات واسعة من العراقيين، وخصوصا الشباب، على سياسات حكومات المحاصصة الطائفية، وعلى الأحزاب والمليشيات التي اعتاشت على الوتر المذهبي، وعلى الفساد الواسع والتمييز الاجتماعي والبطالة المقيمة.

ويعبر الحراك الاحتجاجي العراقي الذي لم يتوقف منذ عام 2009 إلا فترات قليلة، عن مدى انحطاط نموذج المحاصصة المذهبية والطائفية، ورفض ما جاء به الاحتلال الأميركي منذ عام 2003، وأفضى إلى هيمنة نظام الملالي الإيراني على مقدّرات العراق وناسه.

وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات تأتي بعد انتخابات مايو/ أيار الماضي التي حملت معها متغيرات سياسية جديدة، إلا أن ما جرى قبلها وما بعدها يضيف أسئلة جديدة بشأن أسباب تجدد الحراك الاحتجاجي وحيثياته، وأماكن حدوثه، وعلاقته بالتجاذبات الداخلية والخارجية ومآلاته، كونه يعبر عن مدى احتقان كتلة شعبية هائلة، مأزومة وقلقة. كتلة لم تجد أي تغيير سياسي مقنع لها، يمكنه أن يفتح لها في الفضاء أفقًا، ويمنح مشاركتها في الحياة العامة معنىً وتأثيرًا، ويدمجها في المجتمع.

قيل إنها أعمال شغب وعنف، يقوم بها "مندسّون"، المصطلح الذي استعاره نظام المحاصصة الطائفي العراقي من نظيره نظام الأسد  الإجرامي، إضافة إلى أنه جرى اتهام شباب الحراك الاحتجاجي (أعمارهم بين العشرين والخامسة والعشرين) بأنهم ممولون من عزت الدوري ومن دول عربية مجاورة ومن الصهاينة. ويعبر ذلك كله عن انسداد أفق نظام المحاصصة العراقي المهيمن عليه إيرانيًا  وأميركيًا، وعن التهميش اللامحدود، وعن الإمعان في إقصاء فئاتٍ شعبية واسعة، وإبعادها إلى مرتع الأزمات والخيبات، وعن الفصل والتمزيق داخل البلد، وداخل الطائفة الشيعية نفسها، الأمر الذي يزيد ويعمق من الصدوع والتخوم القائمة على التشرذم في العراق، المقسم مذهبيًا وإثنيًا.

إنه الانحطاط المبتذل لنظام المحاصصة الطائفية المهيمن عليه إقليميًا ودوليًا، الذي لم يتمكّن من إخضاع مختلف الأفراد والجماعات الطائفية بصورةٍ كاملة لهيمنته، ومن إدخالهم في منظومة فساده المتراكم، فبقيت فئات مسحوقة نجدها اليوم موزعةً على كامل أرض العراق، تنسكب في كل لحظة، وتفكّك حواجز القياس المذهبي وحدوده، وذلك بعد أن أصبحت مدن العراق وبلداته أشبه بخزّانات بشرية كبرى، وأماكن إقامة مؤقتة، وشبكات بشرية حيّة ومحرومة من أبسط الخدمات، كالماء والكهرباء.

والملاحظ أن الحراك الاحتجاجي الذي عادة ما يبدأ عفويًا مثل أي حراك احتجاجي شعبي، قد قطع شوطًا جديدًا في عملية تنظيمه، وبات أقل عشوائيةً وأكثر تنظيمًا، سواء من جهة كيفية وجود المحتجين وتنقلهم، أم من جهة وسائل حمايتهم من قنابل الغاز والعيارات النارية التي تطلقها قوات الأمن والمليشيات ضدهم، وكذلك على مستوى الشعارات المرفوعة التي تنوعت في تناولها المطلبي والديني والسياسي.

وإذا أمعنّا النظر في شعارات المحتجين ومطالبهم، نجدها تتوزع على مستويين رئيسيين، مطلبي خدماتي، واجتماعي وسياسي يرفض منظومة الحكم والأحزاب الطائفية والمليشيات جميعًا، فعلى المستوى السياسي، نجد شعارات يتداخل فيها السياسي مع الديني، المتمثل بالمرجعيات ورجال الدين، حيث رفع المحتجون شعارات مثل "لا فتى إلا علي، ما نريد حاكم حرامي"، و"عمامة وبخور ومسبحة مبروك تحولت تاجر غني".

وإذا كانت أحزاب الإسلام السياسي، في شقها الشيعي، قد نجحت في بداياتها في تعبئة بسطاء وفقراء عراقيين وشحنهم بشعارات دينية وطائفية، كي تغطي بها أجنداتها وفسادها، وتلهيهم من خلالها عن قضاياهم، إلا أن جموع المحتجين العراقيين أثبتوا أنهم ليسوا على هذه الدرجة من الاستلاب، حتى يسلموا مقدّراتهم للأحزاب الطائفية الدينية، ويلحقوا بها كي تدفعهم نحو الهاوية، لذلك رفع المحتجون في ساحة التحرير في العاصمة بغداد، شعار "لا صدرية ولا مدنية ولا شيوعية ولا دعوية ولا حكيمية ولا عشائرية #مطالبنا_وطنية"، وفيه رفض علني لأحزاب وتيارات الصدر والحكيم وحزب الدعوة والحزب الشيوعي، وحتى زعماء العشائر والعشائرية، بل ورفع محتجون في جنوب العراق شعار "علمانية علمانية.. لا شيعية ولا سنية"، دليلا واضحا وصريحا على أن العراقيين ليسوا جميعًا مغفلين، وأنهم ليسوا مجرد ظاهرة صوتية، تردّد ما يصل إليها من نزعات وتعبئة طائفية مقيتة من الأحزاب والمليشيات الطائفية.

وامتدت شعارات المحتجين العراقيين لتطاول من يدعم الطائفية السياسية وأجّجها في العراق وسواه من البلدان العربية، حيث أحرق محتجون عراقيون صورة كبيرة للخميني، كانت في أحد شوارع البصرة الرئيسية، وهم يردّدون شعار "إيران بره بره، البصرة تبقى حرة"، وأحرقوا صورة كبير الملالي ومرشدهم الأعلى، علي خامنئي، ولم يكتفوا بحرق الصور، بل هتفوا "احترق الخميني احترق" و"احترق الحشد احترق"، في إشارة إلى مليشيات "الحشد الشعبي" الطائفية الموالية لنظام الملالي الإيراني. إضافة إلى أن محتجين في أغلب مدن جنوبي العراق ووسطه هاجموا مباني حكومية ومكاتب الأحزاب الشيعية السياسية ومكاتب فصائل الحشد الطائفية، الأمر الذي يشير، بوضوح، إلى حجم الرفض الشعبي للنفوذ الإيراني في العراق عمومًا، وفي الجنوب والوسط خصوصًا.

وقد أشارت أصابع عراقية إلى أطراف خارجية، وخصوصا نظام الملالي الإيراني، الذي أوقف تصدير الكهرباء إلى مدن الجنوب في هذا الصيف الساخن، سعيًا منه إلى الاستفادة من الغضب الشعبي، واستغلال حالة النقمة، للضغط على مكونات سياسية ساعية إلى الانعتاق من هيمنته، إذ لم يرق لهذا النظام أن يرى العراق يخوض محاولةً لأجل الانعتاق من براثن الطائفية، لذلك وجه المتظاهرون العراقيون صفعةً لنظام الملالي الإيراني الذي بات يتجرّع سمًا حاول دسّه في العراق، حيث كشف مسار الاحتجاجات انقلاب "السحر الإيراني" على الساحر نفسه، بعد أن أيقن المتظاهرون بأن نظام الملالي في طهران لا ينظر إليهم حلفاء أو أشقاء تحت يافطة الانتماء المذهبي، بل يلعب في أرواحهم ومعاناتهم، ويستخدمها مجرد ورقة ضغط خدمة فقط لمصالح ملاليه، وإبقاء نفوذهم في العراق بواسطة شخصيات وأحزاب فاسدة موالية له.

وإذا كان المحتجون والمتظاهرون العراقيون يعتبرون حراكهم شعبيًا، أو حراكًا مدنيًا، وحاولوا، في بعض شعاراتهم، النأي بالنفس عن أي اتجاه سياسي، برفع شعار "انتظريني يا حبيبتي، حتى أجد وظيفة لأحقق لك أحلامنا الوردية"، و"ثورة ثورة شبابية" وغيرهما، إلا أن الجانب السياسي سرعان ما ظهر جليًا في شعارت أخرى وفي توجهاتهم، إذ أظهر شعار "هذه الحكومة ما نريدهه والواحد وتسعين إلا انعيدهه"، في إشارة واضحة إلى انتفاضة جنوب العراق وشماله على صدّام حسين عام 1991. إضافة إلى أن هناك مقاربة ما بين ما يحدث في أيامنا هذه في الجنوب العراقي وبغداد، وبين 14 يوليو/ تموز الذي صادف انطلاق موجة الاحتجاج، مع الذكرى الستين لثورة عام 1958 في العراق، والتي أطاحت المملكة التي أسسها الملك فيصل الأول، تحت الرعاية البريطانية، مع الإقرار بوجود اختلافات عديدة، أهمها النزعة الطائفية الشرسة والعنفية التي تحملها المليشيات والأحزاب التابعة لنظام الملالي الإيراني، ولعلها شكلت الحافز الأهم للحراك الاحتجاجي العراقي، إضافة إلى حال الضيق والعوز التي أصابت قطاعات واسعة من العراقيين، بسبب منظومة الفساد الضاربة في نظام المحاصصة الطائفية السياسية العراقي، ولذلك كان لا بد لمطالب الحراك الاحتجاجي وشعاراته من أن يمتزج فيها المطلبي المعيشي بالسياسي بالديني.

--------------

العربي الجديد

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام