الأحد 12/02/1440 - الموافق 21/10/2018 آخر تحديث الساعة 05:21 م مكة المكرمة 03:21 م جرينتش  
مقالات

السيستاني محتجًا

1439/11/16 الموافق 29/07/2018 - الساعة 04:20 م
|


مشرق عباس

 

 

 

لم يكن الأمر يحتمل خيارًا ثالثًا، فأما أن يحمل السيد السيستاني يافطة الاحتجاج وينضم إلى جموع المتظاهرين في المدن الشيعية ضد حكم الأوليغارشية السياسية الحاكمة، أو أن يحمله المتظاهرون مسؤولية فشل حكم جاهد خلال السنوات الماضية لحماية مرجعية النجف منه.

مايدركه السيد عبر مجساته العميقة في المجتمع يختلف عن الأوهام التي يريد السياسيون سماعها، وهو يستمع بعناية، فالمؤسسة الدينية التي يقف على رأسها مازالت تحمل فلسفة الدفاع أمام السلطة مهما كانت هويتها، وتصنف نفسها جزءا من شارع تستعين به لحمايتها وإدامة زخمها، وهو شارع غاضب اليوم، ومضطهد ومكروب، تم الاعتداء على مقدراته، وتضليله باستخدام الشعارات الدينية، وان الأقلية السياسية التي لم تتوقف عن محاولة التسلق على أكتاف السيستاني لتمارس لعبة الدفاع عن المذهب، تنجح في اكتناز المال وتفشل في حفظ كرامة العيال.

في خطابه الأخير يتحدث السيستاني عن نصائحه المهدرة، فلا يتعامل مع نتائج انتخابات تمت على أساس قانون غير منصف ومفوضية تفتقر إلى النزاهة، بل يتجنب حتى الإشارة إليها، ويصطف مع فهم الشعب للانتخابات، كممارسة يتم تفصيلها كل أربع سنوات على مقاسات الأحزاب المتسلحة بالقوة والمال والقسر، لتقود إلى النتائج نفسها.

لكنه يطرح في المقابل أساس المشكلة التأسيسية في عراق 2003، ويستخدم نمطًا شديد الوضوح من العبارات، حول القوانين التي يجب تعديلها، وآليات الحكم التي يجب تطويرها، وإيقاف حماية الفاسدين الكبار، بل انه يستعير لسانًا احتجاجيًا صريحًا للقول إن أي تلاعب بمطالب المتظاهرين سواء من السلطتين التنفيذية أو التشريعية، بل ومن المحكمة الاتحادية، سيعني أن الشعب سيطور أساليب احتجاجه و"سيكون للمشهد وجه آخر".

اللغة التي استخدمها السيستاني هذه المرة، لم تكن دينية، بل إنها تختلف جذريًا عن الأسلوب المعتاد في تقديم النصائح السياسية، وحرص أيضًا أن لاتفهم كأوامر صادرة من جهة عليا، بل تعكس اصطفافه الاحتجاجي مع الشعب كطرف من أطرافه، وليس محتكرًا لخياراته.. السيد يدرك جيدًا هذه الحقيقة، كما يدرك ان رعب الوسط السياسي العراقي يوم الجمعة، لم يكن بسبب خطبته، بل لأن صوت الشعب ظهر مجسمًا وحاسمًا ولايمكن التغاضي عنه أو تدليسه حزبيًا، وان الطبقة السياسية المتمترسة خلف أسوارها لن تقدم أي تنازل إلا إذا كانت تحت طائلة هذا الرعب.

لكن العراق يقف في الواقع وسط مفترق خطير في تاريخه، ويتعرض إلى ضغوط وتهديدات لاتقل عمقًا عن تهديد "داعش"، يدرك السيستاني أيضًا هذه الحقيقة، وتدركها بعض أصوات المحتجين، وبعض القوى السياسية، والتغيير المستهدف، لايمكن إلا أن يكون تحت السيطرة، ومن دون فتح الباب لفوضى عارمة يركبها الساعون إلى خطف البلاد.

التغيير من وجهة نظر السيستاني يجب أن يكون من داخل ديناميكية العملية السياسية الحالية التي يتم الإقرار بأنها فقدت قدرتها على الاستمرار، وصولًا إلى إنتاج عملية سياسية جديدة بقواعد عمل وعلاقات جديدة، ومن خلال تنازلات كبرى من كل الأطراف، لايمكن ضمانها من دون إدامة التهديد الشعبي للوضع السياسي برمته.

يكاد هذا الفهم للتغيير، يتطابق مع مطالب تتصاعد بضرورة إيجاد مرحلة انتقالية تقودها حكومة "قوية وشجاعة ومسؤولة وخبيرة" تعمل تحت ظل الزخم الشعبي لإجبار القوى السياسية على تمرير استحقاقات الإصلاح، بما يضمن انتقالًا سلسًا وطبيعيًا من مرحلة إلى أخرى.

هذه الحكومة لايمكن أن تكون حكومة أحزاب، بل حكومة الشعب، ودورها لايترجم نتائج الانتخابات، بل نتائج الاحتجاج، وآليات عملها موجهة لضمان كرامة الناس، وحمايتهم من تغول الشركات الحزبية، لا حماية الأحزاب من غضب الشارع، وعمرها يقتصر على إكمال واجبها والخروج بالعراق سالمًا من عواصف إقليمية ودولية كبرى تحيق به، والتأسيس لعملية سياسية بقوانين وتقاليد عمل أكثر نضجًا لمواجهة متطلبات المستقبل.

على قادة الأحزاب العراقية أن يدركوا أنهم أمام مسؤولية جسيمة للمشاركة في التغيير عبر إقرار خريطة طريق آمنة، والتوقف عن مقاومة إرادة الشارع، ولديهم الوقت والفرص للتوصل إلى ذلك طوعًا، قبل أن يُفرض قسرًا.

----------------

الحياة اللندنية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام