الثلاثاء 03/03/1439 - الموافق 21/11/2017 آخر تحديث الساعة 11:06 ص مكة المكرمة 09:06 ص جرينتش  
بحوث فقهية
عمليات إسقاط الجنين (الإجهاض) 1-2

عمليات إسقاط الجنين (1-2)

1431/10/12 الموافق 21/09/2010 - الساعة 02:17 م
|


المقصود بعمليات إسقاط الجنين: تلك العمليات التي من خلالها يتم إسقاط الأجنة من بطون الأمهات.

وقد تكون عبارة عن تعاطي عقاقير مخصوصة تؤثر في إسقاط الجنين، أو قد تكون عبارة عن قيام بعملية جراحية لإخراج هذا الجنين، أو تعمّد إسقاط الجنين بالضرب أو ما أشبهه.

ولا بد أن يعلم أن هذه الحالات منها ما تدعو الحاجة إليه فيشرع، ومنها –وهو الأعم الغالب- ما يكون اعتداء، وإتلافاً للجنين، وهذا في حالات الحبل الزنى، عياذاً بالله تعالى منه، وهذا ما يسمى (بعملية الإجهاض).

ولكي يتضح الكلام في هذا المقام فسنقسم الحديث عن هذا الموضوع إلى مقصدين:

المقصد الأول: الحالات الضرورية

وهي تلك الحالات التي يخشى فيها على حياة الأم أو جنينها أو هما معاً.

قال الدكتور محمد الشنقيطي –رعاه الله- في كتابه "أحكام الجراحة الطبية" ص154- 156: " ومن أمثلتها ما يلي:

1.   جراحة الحمل المنتبذ.

2.   جراحة استخراج الجنين الحي بعد وفات أمه.

3.   الجراحة القيصرية في حالة التمزق الرحمي.

فهذه الحالات تعد فيها جراحة الولاة ضرورية؛ لأن المقصود منها إنقاذ حياة الأم، أو الجنين، أو هما معاً.

ففي المثال الأول: الجنين خارج الرحم في قناة المبيض، ويسمى بالجنين المهاجر، أو القنوي، وهذا الموضع الذي تكَّون فيه الجنين يستحيل بقاؤه حياً.

وغالباً ما ينفجر في القناة التي بداخلها، وحينئذ تصبح حياة الأم مهددة بالخطر، فيرى الأطباء ضرورة إجراء الجراحة، واستخراجه قبل انفجاره، وذلك كله إنقاذاً لحياة الأم.

وفي المثال الثاني: تموت الأم بعد اكتمال خلق الجنين وحياته، فيضطر الأطباء إلى شق بطنها، واستخراج الجنين قبل موته.

وهذه الصورة ليست بحديثة، بل هي صورة كانت موجودة من القدم، وهي محل خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

وفي المثال الثالث: يتعرض الرحم إلى التمزق الذي يهدد حياة الأم وجنينها، وذلك بعد اكتمال خلقه، فيضطر الأطباء إلى إجراء الجراحة واستخراج الجنين، حتى لا تتعرض الأم وجنينها للهلاك.

فهذه ثلاث صور من صور جراحة الولادة الضرورية، وهذا النوع من الجراحة يعتبر الفائدة، وهي إنقاذ النفس المحرمة، الذي هو من أجل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}[المائدة:32].

ولأنه كما جاز استئصال الداء الموجب للهلاك من جسم المريض، كذلك يجوز استخراج الجنين إذا كان بقاؤه موجباً لهلاك أمه، بجامع دفع الضرر في كل، وكذلك شق بطن المرأة الحامل الميتة، من أجل إنقاذ جنينها الحي، فكما يجوز شق البطن للعلاج والتداوي، كذلك يجوز شقها لإنقاذ النفس المحرمة، ولأن بقاءها في البطن بدون ذلك يعتبر ضرراً محضاً، فتشرع إزالته بالجراحة اللازمة؛ للقاعدة الشرعية التي تقول: "الضرر يزال".

قال ابن حزم –رحمه الله تعالى- في المحلى(5/16): "ولو ماتت امرأة حامل، والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر، فإنه يشق عن بطنها طولاً، ويخرج الولد؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}[المائدة:32]، ومن تركه عمداً حتى يموت فهو قاتل نفسه" ا. هـ

فاعتبر –رحمه الله تعالى- فعل هذا النوع من الجراحة فرضاً لازماً على الطبيب، إذا امتنع من فعله عمداً كان قاتلاً، لامتناعه من فعل السبب الموجب للنجاة مع قدرته على فعله.

المقصد الثاني:الحالات الغير ضرورية ولا حاجية

ونقصد بها تلك الحالات التي من خلالها يُسقط الجنين بوسيلة أو بأخرى؛ ليخرج ميتاً، بقصد الاعتداء عليه، والجناية في حقه، وقد يكون الحامل عليه خوف العار كالحالات التي تحصل من الزنى، أو يكون الحامل عليها مقصد آخر لا اعتبار له في الشريعة.

وهذه الحالات ترجع إلى ما يسمى بعملية الإجهاض، وهي تلك العملية الخبيثة التي من خلالها يُسقط الجنين، بقصد إتلافه لا غير، وهي عملية محرمة، وخصوصاً إذا كان الجنين قد نفخ فيه الروح، فتعمد إتلافه قتل لنفس محرمة بغير حق، ويترتب على الاعتداء أحكام تتعلق بهذه الجناية، كوجوب الدية على التفصيل في مقدارها، وهكذا أيضاً وجوب عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

قال الإمام إبراهيم النخعي –رحمه الله تعالى- في امرأة شربت دواء فأسقطت؟ قال: "تعتق رقبة، وتعطي أباه غره"، أخرجه ابن حزم في المحلى (11/238)، وصحح إسناده.

وقال الإمام ابن الجوزي –رحمه الله تعالى- في (أحكام النساء) ص108- 109: "ولما كان موضوع النكاح لطلب الولد، فإذا تكون فقد حصل المقصود، فتعمد إسقاطه مخالفة لمراد الحكمة، إلا أنه إن كان ذلك في أول الحمل قبل نفخ الروح فيه إثم كبير؛ لأنه مترق إلى الكمال، وسار إلى التمام، إلا أنه أقل إثماً من الذي نفخ فيه الروح، فإذا تعمدت إسقاط ما فيه الروح كان كقتل مؤمن، قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير:8] {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:9] ا.هـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- كما في الفتاوى (34/160): "إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، هو من الوأد الذي قال الله فيه: "{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير:8] {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:9]، وقد قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31]، ولو قدر أن الشخص أسقط الحمل خطأ -مثل أن يضرب المرأة خطأ فتسقط- فعليه غرة عبد أو أمة، بنص النبي صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة، وتكون قيمة الغرة بقدر عشر دية الأم عند جمهور العلماء  كمالك، والشافعي، وأحمد.

كذلك عليه كفارة القتل عند جمهور الفقهاء، وهو المذكور في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} إلى قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ} [النساء: 92]، وأما إذا تعمد الإسقاط فإنه يعاقب على ذلك عقوبة تردعه عن ذلك، وذلك مما يقدح في دينه وعدالته، واللّه أعلم ا.هـ

المصدر: مجلة الفقه في الدين العدد الثالث ص40- 42.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام