الجمعة 05/11/1438 - الموافق 28/07/2017 آخر تحديث الساعة 09:46 ص مكة المكرمة 07:46 ص جرينتش  
بحوث فقهية
أحكام بول الذكر الرضيع (1-2)

أحكام بول الذكر الرضيع (1-2)

1431/11/27 الموافق 04/11/2010 - الساعة 07:07 م
|


أحكام بول الذكر الرضيع (1-2)

حثَّ الإسلام على الطهارة من النجاسات، سواء كانت حسية أم معنوية، وبالغ في الأمر بها، فهذه سورة المدثر من أوائل السور نزولاً، وفيها: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } [المدثر:3-4].

وأخبر تعالى أنَّ التطُّهر سببٌ لمحبته، قال تعالى: { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } [التوبة: 108].

وجاء عند مسلم من حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- مرفوعاً: "الطهور شطر الإيمان".

ولا عجب أنْ تأتي تعليلاتٌ لأحكامٍ شرعيةٍ كثيرةٍ -ترغيباً وترهيباً- بأنها طهارةٌ لأصحابها وزكاةٌ لهم؛ وذلك لما لموضوع التطهير الحسي والمعنوي من أهميةٍ في الدين.

يقول تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة: 103].

ويقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فقدموا بين يدي نجواكم  صدقة ذالكم خير لكم وَأَطْهَرُ} [المجادلة:12].

وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة:90].

وامتنَّ الله على رسوله بأن طهره وأهل بيته فقال تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تَطْهِيرًا } [الأحزاب:33].

وأخيراً: فإنَّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبي القبرين: "إنهما ليعذبان"، أكبر زاجرٍ لمن يتهاون في هذا الباب، نسأل الله تعالى أن يرزقنا طهارة ظاهرنا وباطننا إلى يوم نلقاه.

النجاسة لغةً: ضد الطهارة، وضد النظافة، ومادة (نجس) تُطلق على عدة معانٍ، تدور مجملها حول القذارة والاستقذار.

والنجس بفتح الجيم: اسم، وبكسرها: صفة، وأما النجاسة في اصطلاح الفقهاء: فإنَّها تعدَّدت تعريفاتها، وجميعها تنقسم إلى قسمين:

أ‌.       قسمٌ يجعل الاستقذار علَّةً للنجاسة، كما جاء في حاشية (رد المحتار على الدر المختار 1/85، 308) لابن عابدين: (النجاسة عينٌ مستقذرةٌ شرعاً).

ب‌. قسمٌ يجعل التحريم المطلق علة للنجاسة -على قيود عندهم- كما جاء في (كشف القناع على متن الإقناع 1/28) للبهوتي: (هي كل عينٍ حرم تناولها على الإطلاق..).

أقسام النجاسة:

اختلف الفقهاء في تقسيمهم للنجاسة وفق اعتباراتِ كل مذهبٍ وأصوله، مع اتِّفاقهم بأنَّ النجاسة تُطلق على الحسِّيات والمعنويات من المستقذرات، لكن نجدهم يختلفون في تقسيمهم للنجاسة الحسية:

أ‌.       فالأحناف يرون أنَّ النجاسة الحسية تنقسم إلى حقيقيةٍ: وهي نجاسة الخبث، وحُكْميَّةٍ: وهي نجاسة الحدث.

قال ابن عابدين في حاشيته (1/77): (الحدث دنسٌ حكميٌ، والنجاسة الحقيقية دنسٌ حقيقيٌ).

ب‌. والجمهور يرى أنَّ النجاسة الحسية تنقسم إلى نجاسةٍ عينيةٍ: وهي ما لها جرمٌ أو طعمٌ أو رائحةٌ أو لونٌ.

وحُكْمِيَّةٍ: وهي ما ليس لها ذلك؛ كالبول إذا جفَّ، وانعدمت صفاته من تيقن إصابته؛ فهي عندهم معنى يقدر قيامه في المحل.

انظر: (مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 1/44) للحطاب.

النجاسة المخفَّفة والمغلَّظة:

1.   يوجد بين الأحناف خلاف في الاعتبار الذي يُحكم من أجله بغلظ النجاسة أو خفتها، كما هو بين الإمام وصاحبيه، فبينما يرى الإمام أنَّ ما ورد فيه نصٌّ، ولم يُعارض بنصٍّ آخر فهو مغلظ، فإنْ عُورض بنصٍّ آخر فمخفَّف؛ كبول ما يؤكل لحمه، فإنَّ حديث: "استنزهوا من البول" يدل على طهارته.

ويرى الصاحبان أنَّ ما اختلف الأئمة فيه ولو من غير المذهب؛ فإنَّ نجاسته مخفَّفة، انظر: حاشية ابن عابدين (1/318).

2.   وأما الشافعية والحنابلة فيقسِّمون النجاسة إلى ثلاثة أقسام:

أ‌.       المغلَّظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير أو فرع أحدهما.

ب‌. المخفَّفة: وهي نجاسة بول الذكر الرضيع.

ت‌. المتوسطة: وتشمل سائر النجاسات.

فمناط التخفيف والتغليظ عندهم هو كيفية التطهير، فالمغلَّظة تحتاج للتسبيع والتتريب، والمخفَّفة يُجزئ فيها النضح؛ كبول الرضيع، والمتوسطة يكفي إزالة عينها.

انظر: (مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 1/83) لمحمد الشربيني الخطيب.

المبحث الأول: بول الذكر الرضيع

أجمع العلماء على نجاسة بول الإنسان، سواء كان ذكراً أم أنثى، وسواء كان كبيراً أم صغيراً [1]، إلا أنَّهم اختلفوا في كيفية تطهير بول الصبي الصغير، على النحو التالي:

أولاً: يرى الجمهور أنَّه يُرش من بول الغلام، ويُغسل من بول الجارية.

قال البغوي في (شرح السنة 2/85): (بول الصبي الذي لم يأكل الطعام نجس، كبول غيره، غير أنَّه يُكتفى فيه بالرش، وهو أنْ يُنضح عليه الماء، بحيث يصل إلى جميعه فيطهر من غير مرس ولا دلك، وإليه ذهب غير واحدٍ من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وبه قال عطاء بن أبي رباح، والحسن، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: يُنضح بول الغلام ما لم يطعم، ويُغسل بول الجارية) ا.هـ.

بقلم/ وهيب عبد الجليل أبو جهاد

 

________________

 [1]  ولم يخالف إلا داود الظاهري كما نقله عنه النووي في المجموع (2/506).

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام