الثلاثاء 05/03/1440 - الموافق 13/11/2018 آخر تحديث الساعة 05:40 ص مكة المكرمة 03:40 ص جرينتش  
تزكية

أسباب حصول المغفرة

1439/12/18 الموافق 29/08/2018 - الساعة 05:20 م
|


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وبعد:

جاء عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: (يا ابن آدَمَ إِنَّكَ مَا دعوتني ورجوتني غَفَرتُ لَكَ عَلى مَا كَانَ مِنكَ وَلاَ أُبَالِى.

يَا ابنَ آدَمَ لَو بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّماءِ ثُمَّ استَغفَرتَنِي غَفَرتُ لَكَ.

يَا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشرِكُ بِي شَيئاً لأَتَيتُكَ بقُرَابِها مَغفِرَةً). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة.

السبب الأول: الدعاء مع الرجاء

لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتقاء موانعه، وقد تتخلف الإجابة لانتقاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه وآدابه وقد سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر.

من أعظم شرائطه: حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى

كما خرجه الترمذي من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه).

وفي المسند عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذه القلوب أوعية فبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل).

ولهذا نهى العبد أن يقول في دعائه: (اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له).

نهى أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعاءه.

من أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه

ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه وما يستلزم ذلك كالنجاة من النار ودخوله الجنة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن (يعنى حول سؤال الجنة والنجاة من النار).

وقال أبو مسلم الخولاني: (ما عرضت لي دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها).

سبب صرف الإجابة عن العبد

ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا فيصرفها عنه يعوضه خيرا منها:

 - إما أن يصرف عنه بذلك سوءا.

- أو يدخرها له في الآخرة.

- أو يغفر له بها ذنبا.

كما في المسند والترمذي من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).

وفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث:

- إما أن يعجل له دعوته.

- وإما أن يدخرها له في الآخرة.

- وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها.

قالوا: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر).

وخرجه الطبراني وعنده: (أو يغفر له بها ذنبا قد سلف).

بدل قوله: (أو يكشف عنه من السوء مثلها).

وخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعا نحو حديث أبى سعيد أيضا.

من أعظم أسباب المغفرة

أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرجى مغفرته ألا من الله

وبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة.

والله تعالى يقول: (أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِى بِي فَليَظُنَّ بي مَا شَاءَ).

وفي رواية) فلا تظنوا بالله إلا خيرا).

ذنوب العبد وإن عظمت عفو الله أعظم منها

وقوله: (إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي).

يعنى على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يعاظمني ذلك ولا استكثره.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحد فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء).

فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته.

وفي صحيح الحاكم عن جابر: (أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: واذنوباه، مرتين أو ثلاثا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فقالها ثم قال له: عد، فعاد، ثم قال له: عد، فعاد، فقال له: قم قد غفر الله لك).

وفي هذا المعنى يقول بعضهم: يا كثير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر ذنبك أعظم الأشياء في جانب عفو الله تغفر وقال آخر:

يَا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنُوبِي كَثرَةً ... فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كَانَ لاَ يَرجُوكَ إِلاَّ مُحسِنٌ ... فَمَن الَّذِى يَدعُو وَيرجو المُجرِمُ

مَا لِى إِلَيكَ وَسِيلَةٌ إِلاَّ الرَّجَا ... وَجَمِيلُ عَفوِكَ ثُمَّ إِنِّي مُسلمُ

السبب الثاني: الاستغفار لو عظمت الذنوب

السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت العنان وهو السحاب. وقيل ما انتهى إليه البصر منها.

وفي الرواية الأخرى: (لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم).

بيان معنى الاستغفار

والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سرها وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار.

فتارة يؤمر به.

كقوله تعالى: (وَاستَغفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمُ). سورة المزمل: آية 20 وقوله: (وَأَنِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ). سورة هود: آية 3 وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: (وَاٌلمُستَغفِرِينَ بِالأَسحَارِ) . سورة آل عمران: آية 17 وقوله تعالى: (وَاٌلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فَاستَغفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنُوب إِلاَّ اللهُ). سورة آل عمران: آية 135 وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: (وَمَن يَعمَل سُوءًا أَو يَظلِم نَفسَهُ ثُمَّ يَستغفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً). سورة النساء: آية 110

أفضل أنواع الاستغفار

وأفضل أنواع الاستغفار: - أن يبدأ العبد بالثناء على ربه.

- ثم يثنى بالاعتراف بذنبه.

- ثم يسأل الله المغفرة.

كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: (اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (خرجه البخاري وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل) اللهم إني ظلمت نفسى ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).

السبب الثالث التوحيد

السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة.

قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) سورة النساء: آية 48 فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته ألا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة.

قال بعضهم: (الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار).

تحقيق التوحيد يوجب مغفرة الذنوب

فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية.

فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا.

وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما قلبتها حسنات كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات.

كما في المسند وغيره عن أم هاني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل).

أسباب المغفرة/عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي ت795هـ

 

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام