الثلاثاء 05/03/1440 - الموافق 13/11/2018 آخر تحديث الساعة 05:22 ص مكة المكرمة 03:22 ص جرينتش  
تزكية

(قراءة في إغاثة اللَّهفان من مصايد الشَّيطان [5])

1439/12/24 الموافق 04/09/2018 - الساعة 03:41 م
|


الحمد لله، والصّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد،

فقد رأينا أنَّ انتصار الإنسان في معركة النّفس ضد الشَّيطان، هو الطّريقُ لانتصاره في معركة الحياة، إزاء كلّ العقباتِ والابتلاءات، وأساسُ ذلك: أن يصون المرء قلبه، فلا تنوشه الأدواء النّفسيّة، فتنقله من حال الحياة إلى حال الموت.

وبناءً على ما للداء النّفسيّ والمرض القلبيّ، من الخطورة على حياة القلب، اهتمّ ابن القيّم ببيان حقيقته وبيان سبب الشّفاء منه؛ فخصّص الباب الثاني من كتابه لبيان: "حقيقة مرض القلب"، الّذي تناولناه في الحلقة الماضية، أمّا الباب الثّالث، قسم ابنُ القيّم مرضَ القلب إلى قسمين: طبيعيٍّ وشرعيّ، وجعل سبب الشّفاء منهما كذلك قسمين: طبيعيّ وشرعيّ، فكان عنوان الباب: "في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبيعيّة وشرعيَّة1"

أولاً: نوعا مرض القلب:

يذكر ابن القيّم أنّ مرضَ القلب نوعان:

النوع الأول:

-(نوعٌ لا يتألمَّ به صاحبُه في الحال، وهو النَّوع المتقدِّم)، أي الذي ذكره في الباب السابق، ويتمثّل في مرضي الشُّبهة والشّهوة.

-يقول: (وهذا النَّوع هو أعظم النَّوعين ألمًاً)، وأخطرُهما وأصعبهما، (ولكن لفساد القلبِ لا يحُسُّ بالألم)، وبسبب (سَكْرة الجهل والهوى).

-يقول: (وعلاجُه: إلى الرُّسل وأتباعهم، فهم أطبَّاء هذا المرض).

والنوع الثاني:

-(مرضٌ مؤلمٌ له في الحال، كالهمّ والغمّ والحَزَن والغيظ).

-(قد يزول بأدوية طبَعيَّة، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضادُّ تلك الأسباب؛ ويدفع مُوجَبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن؛ فكذلك البدن يتألم كثيرًا بما يتألم به القلب، ويُشقيه ما يُشقيه).

الفارق الجوهريّ بين النوعين:

أوّلاً: من حيث نوع الأدوية التي تُشفيها:

-أمراضُ القلب من النوع الأول: (لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية).

-أمراضُ القلب من النوع الثاني: (تزول بالأدوية الطبعيَّة)، فهي (من جنس أمراض البدن).

ثانياً: من حيث إيجابُها لشقاء وعذاب صاحبها:

-أمراض القلب من النوع الأول: (توجب له الشقاء والعذاب الدائم، إن لم يتداركها بأدويتها المضادَّة لها).

-أمراض القلب من النوع الثاني: (لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت).

 ثانياً: كيفيّة شفاء أمراض القلوب:

يقول ابن القيم: (من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبعيَّة، ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعيَّة الإيمانيّة).

(فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال: شفى غيظه، فإذا استولى عليه عدوُّه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبُه، قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 14، 15]).

(فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شَفاه بحقٍّ اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضاً من حيث ظنَّ أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرضَ العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضًا أُخر أصعب من مرض العشق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى).

(وكذلك الغمُّ والهمُّ والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحقٍّ؛ ... إلخ ).

(وكذلك الجهل مرضٌ يؤلم القلب، فمن النّاس من يداويه بعلومٍ لا تنفع، ... اشتغل القلبُ بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة التي هي شرط في صحته وبُرْئه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: "قتلوه، قتلهم الله! ألَا سألوا إذْ لم يعلموا؟! فإنما شفاء العِيِّ السؤال2"؛ فجعل الجهل مرضًا وشفاءه سؤالَ أهل العلم).

(وكذلك الشَّاكُّ في الشيء المرتابُ فيه، يتألم قلبُه حتى يحصل له العلم واليقين، ولمَّا كان ذلك يوجب له حرارةً قيل لمن حصل له اليقين: ثَلَجَ صدره، وحصل له بَرْد اليقين).

هذا هو مضمون هذا الباب المهمّ، من كتاب "إغاثة اللهفان" لابن القيّم، أمّا الباب التّالي بعد هذه الجولة التي خصّصها لأدواء القلب وأدويته، فقد اختار أن يرتقي فيها إلى ما هو الأصل في صحة القلب وشفائه، وإلى ما هو الأساس في مرضه ودائه ، فكان الباب الرّابع "في أن حياة القلب وإشراقه مادَّةُ كل خيرٍ فيه، وموتَه وظلمتَه مادَّةُ كلِّ شرٍّ فيه"، وهو موضوع الحلقة القادمة من هذ السلسلة بإذن الله تعالى.

المراجع

  1. ملحوظة: كل الاقتباسات في هذا الموضوع مأخوذة عن الباب المحدد، من أبواب كتاب "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، بحسب طبعته المشار إليها في الحلقة الأولى، ما لم تقضي الضرورة بذكر نصٍّ خارجه، فعندئذٍ يتم التوثيق له.
  2. رواه أبو داود (336)، والدارقطني (1/ 189)، والقضاعي في مسند الشهاب (1163).

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام