الخميس 01/08/1438 - الموافق 27/04/2017 آخر تحديث الساعة 10:14 ص مكة المكرمة 08:14 ص جرينتش  
بحوث عامة
أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(5-5)

أحوال النبي في الأمر بالمعروف5

1431/11/28 الموافق 05/11/2010 - الساعة 06:20 م
|


الحادي عشر: إشهار الخطأ لا المخطأ

كان من هدية صلى الله عليه وسلم في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر توجيه النقد إلى ذات الخطأ وليس إلى صاحبه، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حدث خطأ من أحد أصحابه أو بعضهم لا يسميهم غالباً[1]، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ومنها:

حديث عائشة رضي الله عنها في عتقها لبريرة واشتراط قومها الولاء لهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة مرة"[2]، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم"[3]، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب، فحمد الله ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية[4] وفي رواية: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال: "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية"[5]، وحديث أنس رضي الله عنه أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"[6].

وحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل قصير أعضل ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك؟ قال: لا والله إنه قد زنى الْأَخِرُ[7]، قال فرجمه ثم خطب فقال: "ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح أحدهم الكُثبة، أما والله إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه"[8]، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟"[9].

وحديث أنس رضي الله عنه وفيه: "فأخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال رجال يواصلون؛ إنكم لستم مثلي، أما والله لو تماد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم"[10].

قال الإمام النووي في شرحه لأحد الأحاديث السابقة: «وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزير والإنكار في الجمع ولا يعين فاعله فيقال: ما بال أقوام ونحوه»[11].

وقال في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا": «هو موافق للمعروف من خطبه صلى الله عليه وسلم في مثل هذا أنه إذا كره شيئا فخطب له ذكر كراهيته ولا يعين فاعله، وهذا من عظيم خلقه صلى الله عليه وسلم, فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك ولا يحصل توبيخ صاحبه في الملأ»[12].

وقال غيره: «ذلك احترازاً عن المواجهة بالمكروه مع حصول المقصود بدونه»[13]، وهذا أبلغ وأعم نفعاً لحصول الفائدة فيه لكل سامع، مع ما فيه من حسن المدارة، والستر على الفاعل، وتأليف القلوب[14].

فواعجباً مما نلامسه في هذا الزمان من طعن ولعن، وقدح وجرح، وتفسيق وتبديع، وإشهار وتشهير للأعيان والأشخاص، مع أن هذا على خلاف الهدي النبوي إلا في حق المعاندين أو المجاهرين أو المعلنين للأذية، أو المانعين لحق ينكرون فيه نعمة الله عليهم مع مراعاة الأدب في اللفظ كقوله صلى الله عليه: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله"[15].

والجرم الأعظم والمنكر الأكبر في هذا الباب التجزؤ على حملة الدين وحفظته من صحب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ورضي عن جميع أصحابه -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- وكذلك الطعن في العلماء والاستخفاف بهم، ونعتهم بنعوت لا تليق بالجهلة فكيف بحملة الشريعة، قال الإمام ابن عساكر: «اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يغشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]»[16].

وهذا لا يعني ادعاء العصمة لهم، بل كل واحد منهم يؤخذ من قوله ويرد بعد العرض على الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الجلي، ومن أتى بشيء فيه ضعف وشذوذ فينكر عليه بأدب مع إقامة الحجة والبرهان من أهل الشأن والمعرفة، لا أن يتصدر كل أحد للرد على العلماء ثم يقودهم الجهل للطعن فيهم.        

الثاني عشر: تعظيم الحرمات:

الحُرْمَةُ: ما لا يحل انتهاكه[17]، وحرمات الله: كل ماله حرمة وأمر باحترامه من عبادة أو غيرها كالمناسك كلها وكالحرم والإحرام وكالهدايا وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها[18].

وتعظيم الحرمات يعني: اجتناب المرء ما أمر الله تعالى باجتنابه؛ تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، والعلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ، والقيام بحقوقها، وإجلالها بالقلب[19]، والغضب عند انتهاكها وعمل ما لا يحل، فيجتنب معصيته وما حرمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه[20].

ويتجلى المثل التطبيقي في حياة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب في جملة من الأحاديث النبوية الشريفة والتي منها ما يلي:

حديث عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله! ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"[21].

وحديث البراء رضي الله عنه قال: لقيت عمي ومعه راية فقلت له: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله"[22]، وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وفيه: "والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة[23]يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"[24]، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله"[25]، وفي رواية قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله"[26].

وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم، ثم أمر بصومه"[27]، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت قِرام فيه صور، فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور"[28]، وحديث علي رضي الله عنه قال: "أهدى إلي النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي"[29]، وفي رواية: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء"[30]، وعنه رضي الله عنه قال: "خرج عبدان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يوم الحديبية- قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله-عز وجل- عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم، وقال: هم عتقاء الله عز وجل"[31].

 

_______________

 [1]  موسوعة نضرة النعيم، 3/ 584.

[2]  أخرجه البخاري، 1/174 برقم: 444 ، ومسلم، 2/1141 برقم: 1504. 

[3]  أخرجه البخاري، 1/261 برقم: 717، ومسلم، 1/321 برقم: 428، واللفظ للبخاري.

[4]  أخرجه البخاري، 5/2263 برقم: 5750، ومسلم، 4/1829 برقم: 2356، واللفظ للبخاري. 

[5]  أخرجه مسلم، 4/1829 برقم: 2356.

[6]  أخرجه مسلم، 2/1020 برقم: 1401.

[7]  هو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة ومعناه: الأرذل والأبعد والأدنى، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومراده نفسه فحقرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل إنها كناية يكنى بها عن نفسه وعن غيره إذا أخبر عنه بما يستقبح، شرح صحيح مسلم، 11/195.

[8]  أخرجه مسلم، 3/1319 برقم: 1692، "نبيب التيس" صوته عند السفاد، و"يَمَنح" أي: يعطى، و"الكُثْبة" القليل من اللبن، شرح النووي لمسلم، 11/195، والمعنى: يعمد أحدكم إلى المغيبة فيخدعها بالقليل من اللبن وغيره فيجامعها، عون المعبود 12/69.

[9]  أخرجه أبو داود، 2/665 برقم: 4788، قال الألباني: «صحيح»، السلسلة الصحيحة، 5/97 برقم: 2064. 

[10]  أخرجه مسلم، 2/775 برقم: 1104.

[11]  شرح صحيح مسلم، 15/107.

[12]  شرح صحيح مسلم، 9/176.

[13]  عون المعبود، 13/100.

[14]  التيسير بشرح الجامع الصغير، 2/267.

[15]  أخرجه البخاري، 2/534 برقم: 1399، ومسلم، 2/676 برقم: 983، "ينقِم" أي: ما ينكر نعمة الله أو يكره، وإنما ذكره رسول الله بنفسه؛ لأنه كان سبباً لدخوله في الإسلام فأصبح غنياً بعد فقره بما أفاء الله وأباح لأمته من الغنائم، عون المعبود، 5/18.

[16]  التبيان في آداب حملة القرآن، ص16

[17]  تاج العروس، 31/461.

[18]  تفسير السعدي، ص537.

[19]  موسوعة نضرة النعيم، 3/ 1030، و تفسير السعدي، ص537.

[20]  تفسير ابن كثير، 3/219.

[21]  أخرجه البخاري، 3/1282 برقم: 3288، ومسلم، 3/1311 برقم: 1688.

[22]  أخرجه أبو داود، 2/562 برقم: 4457، والنسائي، 6/109 برقم: 3332، و أحمد، 4/290 برقم: 18580، قال الألباني: «صحيح»، مختصر إرواء الغليل، 1/467 برقم: 2351.

[23]  قال الحافظ ابن حجر: «خُطة: بضم الخاء المعجمة أي: خصلة يعظمون فيها حرمات الله، أي: من ترك القتال في الحرم، فتح الباري، 5/336، وقال الإمام العيني:«بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء أي: حالة، وقال الداودي: خصلة، وقال ابن قرقول: قضية وأمراً» عمدة القاري، 14/7، وقال الإمام القاري: «بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة أريد بها المصالحة حال كونهم يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة أراد بها حرمة الحرم والإحرام بالكف فيها عن القتال» مرقاة المفاتيح، 7/558.

[24]  أخرجه البخاري، 2/974 برقم: 2581.

[25]  أخرجه البخاري، 6/2491 برقم: 6404.

[26]  أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5775، ومسلم، 4/1813 برقم: 2327.

[27]  أخرجه البخاري، 3/1434 برقم: 3727، ومسلم، 2/795 برقم: 1130.

[28]  أخرجه البخاري، 5/2265 برقم: 5758، ومسلم، 3/1666 برقم: 2107، والقِرام: الستر الرقيق.

[29]  أخرجه البخاري، 2/922 برقم: 2472، ومسلم، 3/1644 برقم: 2071. 

[30]  أخرجه مسلم، 3/1644 برقم: 2071.

[31]  أخرجه أبو داود، 2/72 برقم: 2700، قال الألباني: «صحيح»، صحيح سنن أبي داود، 2/515 برقم: 2349

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام