الجمعة 30/08/1438 - الموافق 26/05/2017 آخر تحديث الساعة 09:59 م مكة المكرمة 07:59 م جرينتش  
بحوث عامة
حكمة الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1-5)

حكمة الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1-5)

1432/01/01 الموافق 07/12/2010 - الساعة 11:09 م
|


مقدمة:

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا,والصلاة والسلام على من أرسله الله بالحق بشيراً ونذيرا, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا..نبينا محمد وآله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..وسلم تسليماً كثيرا..أما بعد:

فَلِمَا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمية كبيرة، في حياة الأمة أفراداً ومجتمعات,  وَلِمَا له من منزلة رفيعة عند رب الأرض والسماوات، فقد جاء هذا البحث في بيان أمره، وعظيم مكانته، وعلو شأنه، والتذكير بعظيم فضله, وعلو منزلته، وأجر القائم به، والمقدم عليه، والتعرف على آثار العمل به, والتشجيع على إفشائه، والحث على فعله، والترغيب في سلوك طريقه، وبالمقابل بيان خطر التهاون فيه، أو الرغبة عنه، أو التغافل عن إقامته، أو الإعراض عنه، وكذلك التحذير من تركه، وعدم الاهتمام به، أو نسيانه، والانشغال عنه، والتحجج بحجج واهية لإيجاد الأعذار للتنصل من إيقاعه وإعماله، وما يحصل من تبريرات للتهرب من السعيِّ فيه.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد الدائم المفروض على كل مسلم، وهو أصل مهم من أصول الدين, ولا قيام لشريعة الإسلام إلا به وهو «القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي ابتعث الله لها النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد».

فكم نحن بحاجة ماسة إلى إقامة هذه الفريضة العظيمة في زمنٍ ضاعت فيه الكثير من الواجبات, واسترسل الناس في الوقوع في وحل المعاصي والهفوات, وانساق البعض أمام أتباع الهوى والشهوات, فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة خالق الأرض والسماوات, وقلما تجد في بعض البلدان والمجتمعات مؤمن قائم بأمر الله تعالى لا تأخذه في الله لومة لائم ولا تثنيه الأباطيل والشبهات.

هذه الفريضة العظيمة التي تعد من أعظم خصائص هذه الأمة, فبالقيام بها نالت شرف القيادة والريادة من بين سائر الأمم, وبالتمسك بها علا شأنها عند ربها, وفرضت هيبتها أمام أعدائها, ولا يزال الخير باقياً في هذه الأمة ما بقي فيها الآمرون بالمعرف والناهون عن المنكر.

وفي هذا البحث سنتطرق إلى بعض فضائلها, وآثار القيام بها, وعواقب تركها, علنا ندرك حكمة الشارع من فرضها وإيجاب القيام بها, وقد احتوى البحث على أربعة مطالب على النحو التالي:

المطلب الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان حكمه, وفيه

أولاً: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اللغة والاصطلاح.

ثانياً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الأدلة من القرآن الكريم- الأدلة من السنة النبوية - دليل الإجماع.

ثالثاً: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عيني أم كفائي.

المطلب الثاني: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه:

أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة  الأنبياء جميعاً.

ثانياً: أنه من أخص صفات المؤمنين ودليل على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم.

ثالثاًً: أنه سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم.

رابعاً: أنه يكفر الخطايا.

خامساً: أنه من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار.

المطلب الثالث: الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه:

أولاً: إقامة الملة والشريعة وحفظ الدين والعقيدة لتكون كلمة الله هي العليا.

ثانياً: إقامة الحق وانتشار العدل ورفع الجور والظلم بين العباد.

ثالثاً: يزيل عوامل الشّرّ والفساد ويثبّت معاني الخير والصّلاح في الأمّة.

رابعاً: يبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين.

خامساً: يشد ظهر المؤمنين ويقوي عزائمهم ويرغم أنوف المنافقين ويضعف معنوياتهم.

سادساً: التمكين في الأرض والنصر على الأعداء.

سابعاً: التحقق بصفة الخيرية.

ثامناً: رفع العقوبات والنجاة من العذاب.

تاسعاً: انتفاع الخلق وإقامة الحجة والشهادة عليهم.

عاشراً: استنزال الرحمة من الله.

حادي عشر: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

ثاني عشر: إصلاح حياة الأمة بجميع جوانبها, ومن أمثلة ذلك: (الجانب الديني, الجانب الاجتماعي, الجانب الأخلاقي, الجانب السياسي, الجانب الاقتصادي, الجانب الصحي, الجانب الإعلامي).

المطلب الرابع: عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه:

أولاً: ظهور الذنوب والمعاصي وانتشار جميع أنواع المنكرات.

ثانياً: استعلاء أهل الشر والفساد وسيطرة الأشرار على مقاليد الأُُمور.

ثالثاً: انتفاء وصف الخيرية عن الأمة.

رابعاً: الهزيمة أمام الأعداء.

خامساً: سبب لعنة الله.

سادساً: نزول العقوبات العامة.

سابعاً: عدم استجابة الدعاء.

ثامناً: الخسران في الدنيا والآخرة.

تاسعاً: إفساد حياة الأمة بجميع جوانبها ومن أمثلة ذلك: (الجانب الديني, الجانب الاجتماعي, الجانب الأخلاقي, الجانب السياسي, الجانب الاقتصادي, الجانب الصحي, الجانب الإعلامي).

  

المطلب الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان حكمه:

أولاً: التعريفات في اللغة والاصطلاح:

المعروف لغة:

قال ابن منظور: «المَعْرُوف ضدُّ المُنْكَر والعُرْفُ ضدّ النُّكْر يقال أَوْلاه عُرفاً أَي مَعْروفاً والمَعْروف والعارفةُ خلاف النُّكر والعُرْفُ والمعروف الجُود وقيل هو اسم ما تبْذُلُه وتُسْديه ... قال الزجاج المعروف هنا ما يُستحسن من الأَفعال »[1].

المعروف اصطلاحا:

يطلق المعروف على كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه, وهو اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللّه والتّقرّب إليه، والإحسان إلى النّاس، وكلّ ما ندب إليه الشّرع، ونهى عنه من المحسّنات والمقبّحات وهو من الصفات الغالبة, بمعنى أنه معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه.

المنكر في اللغة:

قال ابن منظور: «( نكر) النُّكْرُ والنَّكْراءُ الدَّهاءُ والفِطنة ورجل نَكِرٌ ونَكُرٌ ونُكُرٌ ومُنْكَرٌ من قوم مَناكِير دَاهٍ فَطِنٌ... والمُنْكَرُ من الأَمر خلاف المعروف... ونَكِرَه يَنْكَرُه نَكَراً فهو مَنْكُورٌ واسْتَنْكَرَه فهو مُسْتَنْكَرٌ والجمع مَناكِيرُ»[2].

والمنكر اصطلاحا:

هو ضد المعروف وهو ما عرف قبحه نقلاً وعقلاً, وقيل كلّ ما قبّحه الشّرع وحرّمه ونهى عنه.

معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اصطلاحا:

الأمر بالمعروف: هو الإرشاد إلى المراشد المنجّية, والنّهي عن المنكر: الزّجر عمّا لا يلائم في الشّريعة.

وقيل: الأمر بالمعروف: الدّلالة على الخير, والنّهي عن المنكر: المنع عن الشّرّ.

وقيل: الأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسّنّة, والنّهي عن المنكر: نهي عمّا تميل إليه النّفس والشّهوة.

وقيل: الأمر بالمعروف: الإشارة إلى ما يرضي اللّه تعالى من أقوال العبد وأفعاله, والنّهي عن المنكر: تقبيح ما تنفّر عنه الشّريعة والعفّة وهو ما لا يجوز في شرع اللّه تعالى[3].

ثانياً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بنص القرآن الكريم وصريح السنة النبوية, وإجماع الأمة، وسنذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة.

أ- الأدلة من القرآن الكريم:

1- قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104]، فقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن﴾ أمرٌ, وظاهر الأمر الإيجاب هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصرت الآية الفلاح بهذا العمل.

2- قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[آل عمران:110] فالآية قرنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله تعالى، وتخصيص الثناء والمدح بالخيرية بهذه الصفات الثلاث، فهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة:71]، فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأوصاف الخاصة بالمؤمنين، وعليهما تترتب الرحمة، وقد ذكرا في سياق الواجبات كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهما واجبان بدلالة وحدة السياق، وتكرّر اقترانهما مع الواجبات يفيد وجوبهما.

4- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، ففعل الأمر ﴿قُوا﴾ يدل على الوجوب، ويتحقق هذا الفعل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

5- قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[الأعراف:199]، والعرف: هو المعروف، والأمر للوجوب، وإذا كان الأمر بالمعروف واجباً كان النهي عن ضده واجبا.

6- قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122].

قال الإمام الرازي رحمه الله: «هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء أولها الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف ثم النهي عن المنكر»( ).

7- قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

فالآية تشمل الأمر بكل معروف كان واجباً أو مندوبا، والنهي عن كل منكر كان محرماً أو مكروها، وهي بصيغة الأمر الصريح الدال على الوجوب.

 8- قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الحجرات:9]، قال الإمام الجصاص بعد ذكره لهذه الآية وغيرها:«فهذه الآية ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

9- قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2] قال الإمام الغزالي: «وهو أمر جزم، ومعنى التعاون: الحث عليه، وتسهيل طرق الخير، وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان»، ثم أتبع الأمر بالتهديد بالعذاب الشديد الذي لا يكون إلا لفعل المحرم أو ترك الواجب.

10- قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة:78،79] فلو لم يكن النهي عن المنكر واجباً لما استحقوا اللعنة بتركهم إياه؛ لأن اللعنة تختص بترك الواجب.

_______

[1] لسان العرب, 9/236.

[2] لسان العرب, 5/232.

[3] نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم,3/525, 526.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام