الأربعاء 29/07/1438 - الموافق 26/04/2017 آخر تحديث الساعة 08:53 ص مكة المكرمة 06:53 ص جرينتش  
بحوث عامة
حكمة الشرع من الأمر بالعروف والنهي عن المنكر (3-5)

حكمة الشرع من الأمر بالعروف والنهي عن المنكر (3-5)

1432/01/14 الموافق 20/12/2010 - الساعة 06:34 م
|


المطلب الثاني: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة عظيمة ومكانة رفيعة في ديننا, وقد جاءت الكثير من الآيات في كتاب الله تعالى والكثير من التوجيهات في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, تبين فضل هذه الفريضة العظيمة, وسنذكر بعض هذه الفضائل في هذا الشأن فيما يلي:-

أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة  الأنبياء جميعاً:

إن المتتبع لقصص القرآن الكريم يجد أن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام بذلوا جلّ جهدهم في نصح أقوامهم, وإرشادهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة, فقد قاموا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أكمل وجه كما حكى القرآن الكريم عنهم فها هو نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام كما قال الله عنه:{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79].

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله [تفسير الطبري 5/539]: «{ونصحت لكم} في أدائي رسالة الله إليكم في تحذيركم بأسه بإقامتكم على كفركم به وعبادتكم الأوثان {ولكن لا تحبون الناصحين} لكم في الله الناهين لكم عن اتباع أهوائكم الصادين لكم عن شهوات أنفسكم».

قال الإمام ابن كثير رحمه الله [تفسير ابن كثير 4/709] : «هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك».

ووصف الله خاتم أنبيائه بهذه الصفة التي هي من أخص صفاته صلى الله عليه وسلم قال تعالى:  {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ}[الأعراف: 157].

وعندما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام النجاشي بأوصاف كثيرة كان منها:أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ففي حديث جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن النجاشي سأله ما دينكم؟ قال: بعث فينا رسول نعرف لسانه، وصدقه، ووفاءه، فدعانا إلى أن نعبد الله، وحده لا نشرك به شيئا، وخلع ما كان يعبد قومنا، وغيرهم من دونه، يأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة، والصيام، والصدقة، وصلة الرحم، فدعانا إلى ما نعرف، وقرأ علينا تنزيلا جاء من عند الله، لا يشبهه غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به حق من عند الله

ثانياً: أنه من أخص صفات المؤمنين ودليل على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم

وصف الله عباده المؤمنين بصفات كثيرة وفي مواطن متعددة في كتابه الكريم, ومن أبرز هذه الصفات قيامهم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:112].

ولا يكتمل ولاء المؤمنين بعضهم لبعضٍ إلا بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر, وتعاونهم على الحق, وهذا من أخص صفاتهم التي وصفوا بها في كتاب الله, قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه"، وفي الصحيح أيضا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر", وقوله: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}الآية وقوله: {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه {ويطيعون الله ورسوله} أي: فيما أمر وترك ما عنه زجر».

ففي هذه الآية يبين سبحانه أن من صفات المؤمنين موالاة بعضهم بعضاً, ومن لوازم هذا الولاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعاون على إقامة شعائر الدين, قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية [تفسير القرطبي,4/49]: «فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب فينصب في كل بلدة رجلاً صالحاً قوياً عالماً أميناً ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة».

ثم بين سبحانه عاقبة ذلك فقال: {أولئك سيرحمهم الله}, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات {إن الله عزيز}أي: عز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين {حكيم} في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى».

وعندما ذم الله تعالى أهل الكتاب الذين خالفوا أمره فضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق, بين سبحانه أنهم ليسوا جميعاً سواء بل استثنى منهم طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات, ووصفهم بأنهم من الصالحين, قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113, 114].

فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات القيام بالواجبات، ومن علامات الصلاح، فلم يشهد الله تعالى لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم الآية هو: أن الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لا يعدّون من الصالحين.

ثالثاًً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم:

وصف الله عز وجل هذه الأمة بالخيرية لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وتحليها بالإيمان به سبحانه, قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110].

في هذه الآية قدم الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله مع أن الإيمان بالله لا يتقدمه شيء من الأعمال ولا يفضله.. ولكن قد يكون هذا التقديم في هذا الموضع يراد به إبراز خاصية وميزة لهذه الأمة على غيرها من الأمم, فإنهم وإن كانوا مطالبين به إلا أنه لم يكن تحققه فيهم كتحققه في هذه الأمة, فاستحقوا به التفضيل على غيرهم من سائر الأمم التي سبقتهم وإن شاركوهم في تحقيق الإيمان, فهذه الأمة هي خاتمة الأمم ورسولها صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل, وكتابها آخر الكتب, وقد أخرجت للناس لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتشهد عليهم.

وقد ذكر كثير من العلماء كالإمام ابن كثير والإمام الطبري وغيرهما أن هذه الآية ليست مختصة بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم, وأنها عامة لجميع الأمة, قال ابن كثير رحمه الله [تفسير ابن كثير,1/519.]: «والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي خيارا {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}[البقرة: 143]» .

وقد استدل من قال بأن هذه الآية نزلت في عامة الأمة بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"وفي رواية أخرى: "إنكم تتمون سبعين أمة".

قال الإمام المناوي [فيض القدير, 2/553]: «"إنكم تتمون سبعين أمة" أي يتم العدد بكم سبعين "أنتم خيرها وأكرمها على الله" ويظهر هذا الإكرام في أعمالهم وأخلاقهم وتوحيدهم ومنازلهم في الجنة ومقامهم في الموقف ووقوفهم على تل يشرفون عليهم إلى غير ذلك ومما فضلوا به الذكاء وقوة الفهم ودقة النظر وحسن الاستنباط فإنهم أوتوا من ذلك ما لم ينله أحد ممن قبلهم».

وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام».

والمقصود بقول أبي هريرة رضي الله عنه هو قيام هذه الأمة بفريضة الجهاد الذي يكون سبباً في دخول غير المسلمين في الإسلام كما جاء عن أبي الطفيل قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا تسألوني مم ضحكت؟" قالوا: يا رسول الله مم ضحكت؟ قال: "رأيت ناسا يساقون إلى الجنة في السلاسل", قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: "قوم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام ".

قال ابن حبان رحمه الله [صحيح ابن حبان,1/343]: «والقصد في هذا الخبر السبي الذي يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتفين في السلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا فيدخلوا الجنة».

ومما يدل على أن هذه الخيرية في عامة الأمة ما ورد عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن الحضرمي يقول أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر".

 قال الإمام المناوي [فيض القدير,2/536]: «"إن من أمتي قوما" أي: جماعة لهم قوة في الدين, "يعطون مثل أجور أولهم" أي: يثيبهم الله مع تأخر زمنهم مثل إثابة الأولين من الصدر الأول الذين نصروا الإسلام وأسسوا قواعد الدين, قيل: من هم يا رسول الله؟ قال هم الذين "ينكرون المنكر" أي ما أنكره الشرع قالوا ويجب الأمر بالواجب والنهي عن الحرام ويندب الأمر بالمندوب والنهي عن المكروه بشرط العلم بوجه المعروف والمنكر وانتفاء المفسدة...».

وهذه الصفة- صفة الخيرية- التي وصفت بها هذه الأمة لاشك أنها مقرونة بالقيام بهذه الفريضة العظيمة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركت هذه الفريضة انتفت منها صفة الخيرية, كما روي عن عمر رضي الله عنه عندما قرأ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} قال: «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها» تفسير الطبري, [3/389].

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام