الثلاثاء 04/04/1440 - الموافق 11/12/2018 آخر تحديث الساعة 06:26 م مكة المكرمة 04:26 م جرينتش  
تزكية

حسن خلق الرَّسول - صلى الله عليه وسلم-

1440/03/04 الموافق 12/11/2018 - الساعة 09:34 ص
|


 

مما يدلُّ على أَهميَّة حُسن الخلق وعظم شأنه: أنَّ اللهَ -تعالى- وصفَ به أكرمَ خلقِه، وأثنى عليه به، فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم:4]، وهذا كما أنَّه شهادةٌ جليلةٌ من ربِّ العزة -سبحانه-، ومدحٌ عظيمٌ لرسوله - صلى الله عليه وسلم-، فإنَّه يدلُّ على عظم مكانةِ الخلق الحسن عند الله، وشدَّة احتفائه بصاحبه، ومحبته له.

وفي «الصحيحين»([1]): عن أَنسٍ -رضي الله عنه- قال: «كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أحسنَ الناسِ خُلقًا».

وقال -أيضًا-: «ما مَسستُ دِيباجًا، ولا حريرًا ألينَ من كفِّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم-، ولا شممتُ رائحةً قطُّ أطيبَ من رائحةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولقد خدمتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- عشرَ سنينَ، فما قال لي قطُّ: «أُفٍّ»، ولا قال لشيءٍ فعلتُه: «لم فعلته؟»، ولا لشيءٍ لم أفعله: «ألا فعلتَ كذا؟»([2]).

 وفي رواية لأبي داود([3]): «خدمتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عشر سنين بالمدينةِ، وأنا غلامٌ ليس كلُّ أمري كما يشتهي صاحبي أن أكونَ عليه، ما قال لي فيها: «أفٍّ» قط، وما قال لي: «لم فعلتَ هذا؟»، أو: «أَلا فعلتَ هذا».

فيا لله العجب! يظلُّ ملازمًا له عشرَ سنين وهو يخدُمه، وهو بشرٌ يَجري عليه ما يَجري على البشر من الغفلةِ والنِّسيان، والتَّقصير والخطأ، ومع ذلك لم يسمع منه طيلةَ هذه المُدَّة كلمةَ تأفُّف وتبرُّم، أو كلمةَ عتابٍ وتوبيخٍ، أو حتَّى كلمةَ استنكارٍ وتوجيهٍ.

ولو قارنتَ هذا بحالِ كثيرٍ من النَّاسِ اليومَ مع خَدَمِهم وعُمَّالهم، بل حتَّى مع أهليهم وأولادِهم؛ لوجدتَ الفرقَ واسعًا، والبونَ عظيمًا شاسعًا، فاللهُ المستعان.

ولو لم يَرد في الدِّلالةِ على أهميَّة حسن الخلقِ، وعظيم أثرِه، وشدَّةِ الحاجةِ إليه, إلا آية «آل عمران»؛ لكانَ ذلك كافيًا، قال الله -تعالى-:

 (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ...) [آل عمران: 159].

فإذا كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- وهو الذي أُوتِيَ كلَّ مُقوِّمات المحبَّةِ والقبولِ، ومحبَّتُه مُقدَّمة على محبَّةِ النَّفس والأهلِ والنَّاسِ أجمعين، وهو سيِّد ولدِ آدم، وأفضلُ من مسَّ الثَّرى وحملته المطايا، وهو أرفعُ النَّاس نسبًا، وأكرمُهم أصلًا ومَحْتدًا، وأجملهم مظهرًا وجوهرًا، وأرجحُهم رأيًا وعقلًا، وأحسنُهم بيانًا ومنطقًا، وأبلغُهم حجَّةً وبرهانًا، وأتقاهم لربِّه سرًّا وجَهَارًا، وأعلاهم منزلة ومكانًا، وأنداهم يدًا، وأجزلُهم عطاء، وهو رئيسُ الدولة وقاضيها وقائدُها، ورسولُ ربِّ العالمين ووليُّه وخليله، ومع كلِّ ذلك يُقال له: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ.)؟!! فكيف بغيره من البشر، وهم دونه بمراحل كثيرة، وليس لهم من مقومات المحبَّة والقبول، ووجوب السمع والطاعة، ما جعله الله له؟ فما أحوجَهم إذًا إلى ترك الفظاظة والغِلْظة، والبُعد عن الجفاء والقسوة، واستعمال الرِّفق واللِّين.

ولذا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- يُبايع أصحابَه على القيام بحقِّ الله -تعالى-، والنُّصح لعبادِه، فقد روى البخاريُّ ومسلم([4]) عَنْ جَرِير بن عبد الله البَجَلي -رضي الله عنه- قال: «بايعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسلمٍ».

فبايعه على إقامِ الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وهما أظهر العباداتِ، وأهمُّ أركانِ الإسلامِ بعد الشَّهادتين، والقيامُ بهما عنوانُ الاستقامةِ على طاعة الله تعالى، وبايعه على النُّصح لكلِّ مسلمٍ، والنُّصحُ لا يقتصر على مجرَّدِ الوعظِ بالقول، كما قد يتبادرُ إلى الذِّهن، بل يعني إيصالَ كلِّ ما أمكن من الخير، ودفعَ كلِّ ما أمكن من الشَّرِّ، بالقول والفعل، فجمع -عليه الصَّلاة والسَّلام- بين الأمرِ بطاعةِ الله، والإحسان إلى خَلقِه.

تقولُ عائشةُ -رضي الله عنها-: «ما ضربَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- شيئًا قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادمًا؛ إلا أن يُجاهد في سبيل الله، وما نِيل منه شيءٌ قطُّ، فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيءٌ من محارم الله؛ فينتقم لله -عزَّ وجلَّ-»([5]).

وكان -عليه الصلاة والسلام- في معاملته للنَّاس، يأخذ بأيسر الأمور وأوسعها ما لم يكن إِثمًا، فلا يكلِّفُهم شططًا، ولا يبغيهم حرجًا، ولا يحملهم مشقَّة وعنتًا.

فعن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: «ما خُيِّر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- بين أمرَين قطُّ إلا أخذ أيسرَهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا: كان أبعدَ الناس منه، وما انتقم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تُنتهك حرمةُ الله؛ فينتقم لله -تعالى-»([6]).

وفي «الصحيحين»([7]) عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: دخل رَهْطٌ مِنَ اليهُودِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم-، فقالُوا: السَّامُ عليكم، قالت عائشةُ: فَفَهِمْتُها، فقلتُ: وعليكُمُ السَّامُ واللَّعْنَةُ، قالت: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فقلتُ: يا رسولَ الله! أوَ لم تسمعْ ما قالُوا؟ قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ».

وفي روايةٍ لأحمدَ، وابن خُزيمةَ([8]): «فنظر إِليَّ، فقال: «مَهْ؟ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحشَ ولا التَّفَحُّش، قالوا قولًا؛ فرَدَدْناه عليهم، فلم يَضُرَّنا شيءٌ، ولزمهم إلى يومِ القيامةِ».

وفي روايةٍ لمسلم([9]) أنه قال لها: «ما استُخدِمَ الرِّفقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، وما نُزع من شيءٍ إلَّا شانَه».

والأحاديثُ في حُسن خُلقِه - صلى الله عليه وسلم- ودماثةِ معشرِه، وطلاقةِ وجهِه، وكرمِه وسماحتِه، ورأفتِه ورحمتِه، وحِلمِه وأناتِه، وتيسيرِه وتبشيرِه، وإخلاصِه ونصحِه، ورفقِه برعيَّتِه، وحسنِ سيرته مع أصحابِه، وتميُّز تعامله مع زوجاتِه، وعدله مع أعدائِه، وإنصافِه من نفسِه، أمرٌ يطول شرحُه، وشهرتُه تغني عن الإطالةِ في ذكرِه وتفصيلِه، ولو ذهبنا نجمعُ ما ثبت عنه في ذلك؛ لكتبنا فيه مجلداتٍ كثيرة.

ولا غروَ في ذلك؛ فهو الأسوةُ الحسنة، والقدوة المتَّبعة، والإمام المُقتفى، والهادي لأقوم السُّبل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ...) [الأحزاب:21].

وكما ضرب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أروعَ الأمثلةِ على حُسن الخلق بسيرته وأفعالِه؛ فإنَّه حثَّ عليه حثًّا شديدًا بأقوالِه، وبيَّن مكانتَه من الدِّين، وما رتَّب عليه من عظيمِ الثواب والجزاء، وما لصاحبِه من كمال المدحِ والثَّناء، ورفعةِ المنزلة عند الله تعالى.

ولم يكن - صلى الله عليه وسلم- يفتأُ يدعو الناسَ إلى حسن الخلق، والإحسان إلى الخلق، ونفعهم وإدخال السرور عليهم، فذلك هو هِجِّيراهُ([10]) وديدنه في مناسبات كثيرة.

واستمع إلى عبدالله بن سلام -رضي الله عنه- وهو يقول: لما قدم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- المدينةَ انجفلَ الناسُ قِبَلَه([11])، وقيل: قد قدم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-، قد قدم رسولُ الله، قد قدم رسولُ الله -ثلاثًا-، فجئتُ في النَّاس لأنظرَ، فلما تبيَّنت وجهَه: عرفتُ أنَّ وجهَه ليس بوجهِ كذَّابٍ، فكان أولَ شيءٍ سمعتُه تكلَّم به أن قال: «يا أيها الناسُ! أفشوا السلامَ، وأطعموا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيام، تدخلوا الجنةَ بسلامٍ»([12]).

فمن أوَّل يومٍ قدمَ فيه المدينةَ - صلى الله عليه وسلم- وهو يدعو الناسَ إلى إفشاء السلام، وإطعامِ الطعام، وصلةِ الأرحام، وكلُّها داخلةٌ في حُسن الخلقِ، وقد أمر بها قبلَ الأمرِ بصلاة الليلِ؛ ليُبيِّن أنَّ حُسنَ الخُلق أهمُّ، وأنَّ أجرَ صاحبِه أوفى وأتمُّ؛ لأنَّ نفعَه متعدٍّ إلى الغيرِ، وفيه من المصالح الدينيَّة والدُّنيويَّة ما يفوقُ الحصرَ، وأما الصَّلاةُ؛ فإنها -على عظم شأنها- مقصورٌ نفعُها على صاحبها.

المراجع



[1] أخرجه البخاري 5850، ومسلم 2150.

[2] أخرجه البخاري 5691، ومسلم 2309.

[3] ينظر: «سنن أبي داود» 4774.

[4] أخرجه البخاري 57، ومسلم 56.

[5] أخرجه مسلم 2328.

[6] أخرجه البخاري 3367، ومسلم 2327.

[7] ينظر: «صحيح البخاري» 5678، و«صحيح مسلم» 2165.

[8] مسند أحمد: 13555، 24895، وصحيح ابن خزيمة: 547.

[9] أخرجه مسلم 2594.

[10] قال السندي: «هِجِّيراه»: بكسر هاء، وتشديد جيم، آخره ألف مقصورة؛ أي: دأبه وشأنه.

[11] أي: أسرعوا قبله.

[12]أخرجه أحمد 23835، والدارمي 1460 و2632، والترمذي 2485، وابن ماجه 1334 و3251، والطبراني في «المعجم الأوسط» 5410، والحاكم في «المستدرك» 4283، والبيهقي في «السنن الكبرى» 4422، وصححه.

قال الترمذي: «هذا حديث صحيح»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه عليه الذهبي والألباني.

من كتاب فقه التعامل بين الناس لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان

 

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام