الجمعة 05/10/1435 - الموافق 01/08/2014 آخر تحديث الساعة 04:41 ص مكة المكرمة 02:41 ص جرينتش  
مقالات
أسس بناء الأسرة المسلمة

أسس بناء الأسرة المسلمة

1430/07/22 الموافق 15/07/2009 - الساعة 08:24 ص
|


يهتم الإسلام بالأسرة اهتماماً بالغاً، إذ أنها اللبنة الأولى في بناء المجتمع الصالح والدولة الإسلامية، ومن ثم فقد اعتنى منذ اللحظات الأولى بالتفكير في تكوين الأسرة، واستمر اهتمامه بها ليتوافر للبيت المسلم الاستقرار التام و السعادة الحقيقية، وحينئذ يكون بحق محضناً سليماً لتربية جيل مسلم يعمل لإعلاء راية الإسلام، ونشر نور الله في الآفاق، و ذلك وفقاً للأسس التالية:

أ- حسن الاختيار:

إن المسلم- ذكراً كان أو أنثى- حينما يفكر في تكوين أسرة وإنشاء بيت سيبحث في شريكه أو شريكته عن الدين و الخلق أولاً وقبل كل شيء، ذلك أن الزواج ليس مجرد قضاء وطر أو إشباع شهوة، بل إنه فطرة إنسانية و ضرورة اجتماعية لها منزلة سامية، ومن هنا يحرص صاحب العقيدة الإسلامية على التدقيق التام في مسألة انتقاء الزوج أو الزوجة امتثالاً للتوجيهات النبوية في هذا الشأن، ففي جانب اختيار الزوجة الصالحة بيَّن النبي صلى الله عليه و سلم أن الناس متفاوتون في نظرتهم إلى المواصفات المطلوب توافرها في الزوجة، فمنهم من تكون نظرته إلى المال فقط، ومنهم يتجه صوب الحسب المجرد، ومنهم يشترط توافر الجمال الشكلي، وفئة رابعة هي الرابحة، لأنها تبحث عن الأصل الجامع لكل خير وهو الدين، والذي إذا وجده الإنسان فقد وجد كل شيء، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها،ولحسبها، وجمالها، ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك" (متفق عليه).

وليس معنى ذلك أن الإسلام لا يأبه باعتبارات المال والحسب والجمال ولا يقيم لها وزناً، فلاشك أنها مرغوبة ومحبوبة، وتساهم في تحقيق الهدف الأسمى من الزواج المتمثل في تكوين بيت مؤمن مستقر سعيد،و لكن الإسلام يحذر من النظر إلى المال وحده دون التفات إلى الدين والخلق، أو إلى مجرد الحسب دون مراعاة للالتزام بالإسلام، أو إلى جمالٍ فقط دونما اهتمام بجانب التقوى، ذلك أن الجمال المجرد عن الدين و الخلق قد يكون سبباً في الهلاك، و أن المال المجرد عن الدين والخلق قد يدفع إلى الطغيان، فيكون الزوج سائراً في طريق التعاسة والشقاء وهو يظن أنه في درب السعادة والهناء، وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي: "لا تَزوجوّا النساء لحسنهن, فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تَزوجوهنَّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل" (رواه ابن ماجه). فمن تسمك بالمال أو الحسب أو الجاه.. بعيداً عن الدين و الخلق فإنه يعامل بنقيض قصده، فيأتيه الفقر من حيث كان يطلب الغنى، ويأتيه الذل من حيث كان يأمل الجاه، وفي الجانب المقابل, يوجه الإسلام نظر ولي الفتاة المسلمة ويشدُّه إلى انتقاء الزوج الصالح التقي صاحب الدين و الخلق, يقول الله عزوجل: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور: 32). ويقول المصطفى صلى الله على عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه و خلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (رواه الترمذي وبن ماجه).

وبهذا الاختيار القائم على الدين والخلق- من جانب الزوج والزوجة- يستقيم عود البيت وتثبت قوائمه، ويصبح على أتم الاستعداد لمواجهة المشاكل الداخلية و الخارجية.

ب- أداء الحقوق الزوجية:

تكفلت توجيهات ديننا الحنيف بوضع الأسس السليمة لتحقيق السعادة والاستقرار للأسرة المسلمة، فقد أمر الأزواج بحسن معاملة زوجاتهم وفي هذا يقول المولى عزوجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19), ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإن لهن عليكم ولكم عليهن حقاً".(رواه أحمد وبن ماجه). بل جعل الإسلام حسن معاملة الزوج أهله من أمارات مروءته وخيريته، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (رواه ابن ماجه).

وكذلك أمر الإسلام الزوجات بحسن عشرة أزواجهنّ، وجعل أداء المرأة حق ربها متوقفاً على أداء حق زوجها، يقول معلم البشرية صلوات الله عليه وسلامه: "لو كنت آمراً أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدّي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه". (رواه ابن ماجه).

ولاشك أن كلاً من الزوجين إذا التزم بهذه التوجيهات الحكيمة يتحقق للأسرة المسلمة الاستقرار والأمن و الطمأنينة فتصبح مهيأة لتربية الأجيال المؤمنة الصالحة.

ج- تربية الأولاد:

يؤكد الإسلام على حسن تربية الأولاد و تنشئتهم نشأةً إسلامية صحيحة، فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} (التحريم: 6). والرسول صلى الله عليه وسلم جعل كلاً من الرجل والمرأة مسئولا عن أمانة بيته حيث يقول: "والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". (أخرجه البخاري).

وتبدأ مسؤولية كلاً من الرجل والمرأة تجاه أولادهما منذ اللحظة الأولى التي يتجه فيها تفكريهما إلى إنشاء بيت وتكوين أسرة، إذ أن عليهما أن يحسنا انتقاء واختيار من سيكون أباً أو أماً لأطفالهما. ثم بعد أن يأتي المولود إلى هذه الدنيا، يأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن تكون كلمة التوحيد أول ما يقرع سمع الوليد، كما أنّ من سنته التأذين في أذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى, أضف إلى ذلك مظاهر البشر والسرور المتمثلة في العقيقة، واختيار اسم جميل له.

وهكذا أولى الإسلام جانب التربية والتأديب عناية خاصة، وأوجب على الوالدين تعليم الأولاد وحسن تأديبهم، فعلى كل أبٍ وأمٍ أن يَـبُثَّـا في نفوس أولادهما عقيدة التوحيد ويغرسا في أذهانهم مبادئ الإسلام السمحة منذ نعومة أظفارهم، وعليهما أن يحرصا على تعويدهم أداء العبادات، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مروا أولا دكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع". (أخرجه أبو داود).

وقد كان سلف هذه الأمة يحرصون على تعويد أطفالهم حب دين الله, ويغرسون في نفوسهم معاني التضحية والفداء من خلال تعليمهم سيرة النبي صلى لله عليه وسلم وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما فيها من مواقف عظيمة وتضحيات جسيمة لها أثرها القوي في تنشئة الطفل المسلم وتكوين شخصيته، وكما يجب أن يتأكد الوالدان من حضور أطفالهما مجالس العلم والخير لينهلوا من معينها ويتربوا على الفضيلة والكرم. وبهذا يشب الأطفال على الشجاعة والجرأة في قول الحق, لا يخافون في الله لومة لائم, ويثبتون في مواطن الثبات، ويقومون ببطولات نادرة يعجز عنها الكبار.

فالأولاد غرس الآباء، وثمرات أفئدتهم، فإن كان الوالد حريصا على رعاية غرسه وتعاهده، وحمايته من الآفات التي قد تفسده أو تهلكه، فإنه يكون غرسا صالحا، مثمرا نافعا بإذن الله، وإن أهمله وتركه، ولم يعطه حقه من الرعاية والعناية، فإن مصيره في الغالب هو الهلاك والبوار، فيشقى بنفسه, ويشقى والديه ومجتمعه من حوله.

فهل يلتزم كل منّا بهذه المبادئ والأسس المتينة في بناء أسرته حتى تنهض أمة الإسلام من جديد وتستعيد مكانتها ودورها الريادي على المستوى العالمي؟

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام