الأحد 08/12/1439 - الموافق 19/08/2018 آخر تحديث الساعة 12:43 م مكة المكرمة 10:43 ص جرينتش  
ملفات
مشاهدات في بلاد فارس وخراسان (6 ـ 14)

مشاهدات في بلاد فارس وخراسان (6 ـ 14)

1430/08/04 الموافق 26/07/2009 - الساعة 06:56 م
|


إلى قم:

غادرنا محطة النقل الجماعي في مدينة شيراز بعد الظهر مما أتاح لنا فرصة رؤية المناطق التي كنا نمر بها في وضح النهار في طريقنا إلى أصفهان وبذلك تلافينا بعض ما فاتنا خلال رحلة القدوم من أصفهان إلى شيراز التي كانت في الليل.

وصلنا حوالي الساعة العاشرة ليلا إلى مدينه إصفهان وبعد توقف قصير واصلت  الحافلة طريقها إلى (قم) .

الطريق إلى قم يمر بالقرب من مدينة كاشان المشهورة بسجادها الفاخر ولكن لم نحظ برؤية شيء من معالم تلك المدينة لأن النوم قد غلبنا ولم نستيقظ إلا بعد الوصول إلى محطة على مشارف مدينه (قم)  فترجلنا من الحافلة التي واصلت سيرها إلى طهران .

 

في مدينة قم:

دخلنا مدينة (قم) بعد منتصف الليل وقد بحثنا طويلا عن غرفه في فندق أو شقه مفروشة ولكننا لم نجد غرفة شاغرة حتى قبيل الفجر والسبب في ذلك أن مجيئنا إلى قم صادف ما تسمى أيام الفاطمية وهي التي تحتفل بها الشيعة الإثنى عشرية ظنا منهم أنها تصادف وفاة السيدة فاطمة الزهراء - رضي الله عنها- كما أن في أيام الإجازة الصيفية تكون المدينة مزدحمة لكثرة الزوار الذين يتجهون إليها من  إيران وخارجها.

وجدنا بصعوبة بالغة وبسعر مرتفع غرفة متواضعة في إحدى الشقق المفروشة وليوم واحد فقط .

مدينتا (قم) و(مشهد) من المدن الإيرانية المقدسة لدى الشيعة الإمامية ،ففي قم يوجد قبر السيدة فاطمة بنت موسى بن جعفر (ت203هـ) وهي أخت موسى الرضى الإمام الثامن لدى الإمامية الإثنا عشرية وتعرف في إيران باسم "معصومة ".

قم من المدن الإيرانية القليلة التي كان معظم أهلها من الشيعة  حتى قبل قيام الدولة الصفوية، و المكان الذي يقع فيه قبر السيدة معصومة يقال عنها (الحرم) ويشكل المنطقة المركزية للمدينة وقد بني حولها المدارس الدينية التي تسمى في إيران(الحوزة) ومن أكبر وأشهر الحوزات هناك (حوزة قم العلمية) التي تعتبر مركزا رئيسيا لتخريج علماء الدين الشيعة على غرار مدينة (النجف )في العراق .

  استرحنا قليلا بعد صلاة الفجر ثم خرجنا لزيارة مدينة قم ورؤية معالمها .

 

وجوه من مختلف الجنسيات:

أول مالفت نظري في المدينة كثرة الناس والزحام الموجود فيها من مختلف الجنسيات: إيرانيون وعرب وهنود وباكستانيون وأفغان وبعض الإفارقة وأناس يعرف من وجوههم أنهم من دول جنوب شرق آسيا , و يعرف من الزي الذي يلبسه بعض هؤلاء الناس بأنهم من طلبة الحوزة العلمية  جاءوا من بلدان أخرى للدراسة و تعليم المذهب الشيعي في إيران الأمر الذي يدل على محاولات جادة لنشر التشيع في بلاد لم يكن للشيعة أي وجود حتى وقت قريب!!.

 

داخل مزار شيعي:

دخلنا إلى المجمع الذي فيه ضريح السيدة معصومة، فوجدنا زحمة شديدة في المكان.

يقع الضريح داخل عمارة كبيرة تحيط بها عدة مساجد. الدخول إلى المبنى يتم من بوابتين بوابة للرجال وأخرى للنساء وعلى كل زائر خلع حذائه وتسليمه للموظف والحصول على رقم خاص بأحذيته ومن ثم التوجه إلى القاعة التي فيها الضريح وقد وجدناها مكتظة بالزائرين والزائرات وهم في حالة الدعاء والابتهال والبكاء ويتسابقون في التمسح بالضريح المقام على القبر وتقبيله لأجل التبرك.

أكثر الناس يدعون دون القراءة من كتاب وهناك من يقرأ من كتب خاصة بالأدعية باللغة العربية والفارسية بعضها نثر وبعضها شعر، ولكن كتاب(مفاتيح الجنان) هو سيد الموقف ونسخه موجودة داخل المزار في كل مكان .

رأينا بعض الناس وهم يصلون وآخرين في حالة تأمل وتفكر .

و من أعجب ما رأيناه في المزار أن المزار كله عبارة عن مقبرة والناس يمشون ويجلسون ويصلون على القبور وهي  مسوية بالأرض ومفروشة بالرخام وقد كتب على كل قبر اسم صاحبه!

 أنا أردت هنا وصف ما شاهدناه في المزار ولست بصدد بيان الحكم الشرعي لزيارة القبور، وحرمة التمسح والتبرك والاستعانة بالقبور فكل ذلك منهي عنه نهيا قاطعا في الدين وهناك أحاديث صحيحة مروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها منع ووعيد شديد على بناء المساجد على القبور والتبرك بها ومن أراد التفصيل له أن يراجع كتب الحديث والعقيدة والفقه.

 

الحوزة العلمية:

 لم تتحقق لنا زيارة الحوزة العلمية في قم وكذلك (مدرسة الفيضية) التي تقع جنب ضريح السيدة معصومة و ذلك بسبب العطلة .

أغلب علماء المذهب الشيعي في إيران وغيرها - ومنهم عدد من القادة والزعماء في إيران - من الذين درسوا في الحوزة العلمية وهي من المؤسسات  الدينية المؤثرة جدا في الشان السياسي الإيراني وكان لها الدور القيادي في أحداث الثورة التي أسقطت حكومة الشاه في عام 1978م.

 

في مكتبات مدينة قم:

زرنا مكتبة (المرعشي) في قم وهي من أهم المكتبات في إيران نظرا لما تحتويه من كتب ونسخ مخطوطة نادرة ولكننا لم نتمكن من الزيارة التفصيلية للمكتبة بسبب الإجازات. ومن الأماكن التي زرناها في مدينة (قم) شارع (خيابان إرم) الذي توجد فيه المكتبات . أكبر مكتبة تجارية في قم مكتبة (بوستان كتاب) وترجمتها العربية "حديقة الكتب"  وهي تابعة لمكتب (إداره تبليغات اسلامي) أي إدارة الدعوة الإسلامية التابعة للحوزة العلمية و أغلب مقتنياتها من منشورات مكتب الدعوة التي لها دور كبير ومهم في توجيه الفكر والثقافة داخل إيران عبر جهاز نشر قوي ومكتبات منتشرة في مختلف أنحاء إيران. وجدنا المكتبة منظمة تنظيما جيدا وفيها عربات لوضع الكتب التي يشتريها الزبائن لنقلها إلى الكاونتر على غرار المحلات الكبيرة (سوبر ماركت) التي فيهاالعربات لنقل البضائع. خرجنا من المكتبة بعد شراء ما أعجبنا من الكتب .

ومن الملفت للنظر في قم أن كل شيء فيها يوحي بالطابع الديني والثقافي للمدينة مثل كثرة أصحاب العمائم وطلبة الحوزات العلمية و وجود ملموس للنساء المحجبات  - وبالمناسبة لم تصادفنا أية امرأة غير محجبة في قم- وكثرة المكتبات والمآذن ووجود اللافتات والدعايات الدينية في كل مكان تقريبا، مما تعطى للمدينة طابعا دينيا وثقافيا مميزا لم نجد له مثيلا في مدن إيرانية أخرى .

 

في زيارة لأحد مراجع التقليد:

الأستاذ ناصر مكارم الشيرازي من أشهر علماء إيران وأكثرهم تأليفا في التفسير والعقيدة والفلسفة والإجتماع، وهو أحد مراجع التقليد الكبار وله لقب (آيات الله العظمي) في سلم ألقاب علماء الدين الشيعة وهي يبدأ من ثقة الإسلام ، ثم حجة الإسلام، ثم آية الله و تنتهي بآية الله العظمى وهوأعلى رتبة دينية ويتلقب بها  من يصل إلى درجة المرجعية في الفقه الشيعي وهذه الألقاب تشبه الرتب العلمية في الجامعات مثل معيد و محاضر وأستاذ مساعد و أستاذ مشارك وأستاذ.

لعل أهم الأعمال العلمية للأستاذ ناصر مكارم الشيرازي يتمثل في إشرافه على تأليف تفسير" نمونه" في ثمان وعشرين مجلدا باللغة الفارسية وقد ترجم  إلى العربية بعنوان (الأمثل في التفسير) وهو نتاج عمل جماعي اشترك فيه مجموعة من الطلبة بإشراف أستاذهم ويعد الكتاب أكبر تفسير شيعي معاصر ويدرس بعض أجزائه في الحوزات الدينية الشيعية في باكستان. تعرفت على اسم الأستاذ ناصر مكارم منذ السبعينيات من القرن الماضي حيث كنت قرأت بعض كتبه الموجهة لنقد الفكر الماركسي وكان المؤلف يستخدم آنذاك لهجة معتدلة في قضايا المختلف فيها بين السنة و الشيعة وهذه كانت سمة لكثير من الكتابات في إيران قبل الثورة ولكن تغير الوضع بعد الثورة حيث صار الهجوم على أهل السنة سمة واضحة لكثير من المؤلفات في إيران.

سألت عن مكان تواجد الأستاذ ناصر مكارم فقيل لنا أن مكتبه يقع في (مسجد أمير المؤمنين) فذهبت إلى المسجد ووجدت الأستاذ مكارم يلقي  محاضرة عن السيدة فاطمة الزهراء فجلست لاستماع المحاضر التي كانت باللغة الفارسية وكان أغلب الحضور من الطلبة والمعممين ومما سأني أن شخصا ألقى قصيدة عن مناقب السيدة فاطمة رضي الله عنها أثناء استراحة قصيرة في وسط المحاضرة وفيها إشارات مسيئة للخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ومما زادني استياء أن أحدا من الحضور بما فيهم شخص المحاضر لم يستنكر على صاحب القصيدة ما تفوه به من كلام مسيء في حق أحد عظماء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .

بعد المحاضرة توجه الأستاذ مكارم إلى مكتبه فعرفت بنفسي لإبنه وأبديت له رغبتي في لقاء والده فأخذني مرحبا إلى مكتب والده في مبنى مجاور وبعد انتظار قليل دخلت على الأستاذ مكارم الشيرازي في مكتبه.

الأستاذ مكارم له (75 ) من العمر ويتمتع  بصحة جيدة ويبدو عمره أقل من سنه الحقيقي وقد وجدته يجلس على الأرض في مكتبه وبالرغم أنه لا يتولى أي منصب حكومي إلا أن مكتبه الكبير مع بساطته كان يشبه مكتب مسؤول كبير نظرا لكثرة المراجعين وعدد الموظفين والسبب في ذلك كونه مرجعا دينيا بارزا في إيران.

 

المكانة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية لمراجع التقليد في إيران:

  المراجع الدينية والعلماء في إيران والمجتمعات الشيعية الأخرى يتمتعون بمكانة اجتماعية كبيرة و لا شك أن لوفرة الأموال والاستقلال المالي دور مهم في تبوءهم هذه المكانة إضافة إلى عوامل أخرى وفي مقدمتها المستوى العلمي والأثر الروحي على الطلاب والاتباع مما يجعل المراجع الدينية من ذوي التأثير المطلق على الجماهير الشيعية بإمكانهم تحريكها متى شاءوا وإلى أي اتجاه أرادوا. ونظرا لأهمية هذه القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للحوزة وعلمائها رأى العلماء الشيعة ومراجع التقليد بقاء استقلال الحوزة وإيرادتها المالية الضخمة التي تتكون من الخمس والصدقات والكفارات وغيرها رأوا بقاءها مستقلة عن سيطرة الدولة  في إيران وهذا بالرغم من كون الدولة يقودها أحد مراجع التقليد بصفته مرشدا أعلى للدولة وهو الولي الفقيه حسب نظرية ولاية الفقيه التي أوجدها الزعيم الراحل الخميني في الفقه الشيعي .

ويقوم مرجع التقليد بصرف المبالغ الكبيرة التي تأتيه من المقلدين والأتباع على طلبة العلم والمحتاجين وكذلك المشاريع الخيرية و غيرها حيث له مطلق التصرف في تلك الأموال نيابة عن الإمام الغائب حسب الفقه الشيعي الإمامي الإثنى عشري.  وقد لاحظت خلال لقائي بالأستاذ مكارم الشيرازي أن أحد الموظفين قد دخل عليه أكثر من مرة وكان يستأذنه في صرف المبالغ المالية على أصحاب الطلبات.

استقبلني الأستاذ مكارم بحفاوة وتطرقنا خلال اللقاء إلى بعض القضايا العلمية و قد ركزت في كلامي معه على ضرورة اتباع المنهج السليم في القضايا الخلافية للوصول إلى الحق والإبتعاد عن التعصب والأحقاد الطائفية في التعامل بين المسلمين. و في نهاية اللقاء أهداني الأستاذ مكارم نسخة من ترجمته لمعاني القرآن الكريم باللغة الفارسية.كنت أريد أن اطرح عليه موضوع إساءة صاحب القصيدة إلى مقام الخليفة الراشد الثاني خلال محاضرته ولكن قصر اللقاء و ضيق الوقت جعلني أؤجل الموضوع.

ودعت الأستاذ ناصر مكارم الشيرازي ثم توجهت إلى مطعم في شارع (إرم) للغداء ثم زرت بعض دور النشر ورجعنا إلى الفندق لنحمل حقائبنا للسفر إلى طهران.

 

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام