الاثنين 02/10/1438 - الموافق 26/06/2017 آخر تحديث الساعة 10:00 ص مكة المكرمة 08:00 ص جرينتش  
صحف
العصابة لم تغادر

العصابة لم تغادر

1432/02/19 الموافق 23/01/2011 - الساعة 12:00 ص
|


أرجو ألا نخطئ في قراءة المشهد التونسي، فتنسينا الفرحة بما جرى أن الذي تمت الإطاحة به رئيس العصابة ولكن العصابة ذاتها ما زالت موجودة ومتمكنة من مقدرات البلاد.

ولا أخفي أن في نفسي شيئا من استخدام مصطلح «العصابة»، فتلك ليست لغتي في التعبير، لكني سمحت لنفسي بذلك بعدما شاع الوصف في وثائق "ويكيليكس" التي تحدثت عن "المافيا" التي ظلت قابضة على الزمام في تونس طوال سنوات حكم الرئيس السابق بن علي.

لقد قلت في مقام آخر: إن الاستبداد لا يخرب الحاضر فقط ولكنه يخرب المستقبل أيضا.

ذلك أنه حين يطول به الأجل في السلطة فإن القائمين عليه يسعون إلى تفكيك مؤسسات المجتمع وأجهزة الإدارة وإعادة تركيبها بحيث تتحول في نهاية المطاف إلى أدوات لبسط الاستبداد والتمكين له.

وفي مسعاهم ذلك فإنهم يستأصلون بدائلهم أولا بأول، بحيث ينغلق عليهم الأفق، ويظل استمرارهم هو الخيار الوحيد المطروح على الكافة.

في وصفه لطبائع الاستبداد، ذكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير الذي حمل نفس العنوان ما يلي:

إن الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها ومراتبها التي يقف المستبد الأعظم على رأسها.

وأعوان المستبد الأعظم ورجاله لا تهمهم الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته. وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه، فيشاركهم ويشاركونه.

وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته. فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه.

واحتاج إلى مزيد من الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة.

واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المرتبة بالطريقة المعكوسة. وهي أن يكون أسفلهم طباعا وخصالا أعلاهم وظيفة وقربا.

ولهذا لابد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة. ثم من دونه لؤما، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه ــ انتهى الاقتباس.

لسنا نضيف جديدا إذن، فقد قالها الكواكبي قبل أكثر من مائة عام منبها إلى أن المستبد الأعظم (زعيم العصابة) يختار أعوانه ممن هم على شاكلته، وهؤلاء يتوحدون معه بمضي الوقت بما يؤدي إلى مأسسة الاستبداد، بمعنى إضفاء الصبغة المؤسسية عليه، بما يحول أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة إلى أذرع له، لذلك تصبح عملية اقتلاع الاستبداد وطي صفحته أمرا بالغ الصعوبة، وربما تتحول تلك العملية إلى معركة يسقط فيها الضحايا، لأنه بعد رحيل المستبد الأعظم فإن وجود ومصير مؤسسة الاستبداد التي ارتبطت به يصبح في خطر محقق. وهو ما يدفعها إلى خوض معركتها الأخيرة بشراسة شديدة، لأن الأمر بالنسبة لها يصبح اختيارا بين الحياة أو الموت.

الحاصل في تونس الآن نموذج لذلك، فحزب السلطة (الدستور الحر) محتكر لها منذ أكثر من نصف قرن، في عهد "المجاهد الأكبر" الحبيب بورقيبة، الذي اكتسب شرعيته من كونه بطل الاستقلال.

وفي عهد خلفه زين العابدين بن علي الذي استولى على السلطة في عام 1987م بعدما كان وزيرا للداخلية. ومنذ اللحظة الأولى حول تونس إلى سجن كبير. وجعلها نموذجا للدولة البوليسية التي وظفت كل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع لتكريسها وتثبيت أركانها.. من ثَمَّ تحولت تلك الأجهزة والمؤسسات إلى رموز للاستبداد، وصار القائمون عليها أذرعا وعيونا للمستبد الأعظم.

ورغم أن الإطاحة برأس الاستبداد تعد إنجازا عظيما، إلا أن ذلك لا يعد كافيا، لأنه حين ذهب، فإن مؤسسة الاستبداد التي صنعها على يديه ظلت قائمة.

صحيح أن بعض أركان تلك المؤسسة جرى استبعادهم (وزير الداخلية ومسؤول أمن الرئاسة مثلا) إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة توحد الحزب الحاكم مع أجهزة الإدارة، وكون الذين تتابعوا على إدارة البلد طوال الـ23 سنة الماضية كانوا ولا يزالون أعوانا للمستبد الأعظم.

من ثَمَّ فإن استمرارهم في مواقعهم يعني أن العصابة مازالت قائمة وأن مكتسبات الثورة في خطر.

وفي هذه الحالة ينبغي ألا نستغرب إذا وجدنا أنهم يحنون إلى زمانهم ويحاولون استعادته بصورة أو أخرى.

هذا التحليل يعني أن صفحة المستبد الأعظم لم تطو بعد، وتشكيل الحكومة التونسية الجديدة يؤكد على ذلك بمنتهى الوضوح.

وهو يعني أيضا أننا ينبغي لنا ألا نعول أو أن نطمئن طالما بقي للعصابة حضور في الوضع المستجد.

لذلك فإنني أدعو إلى الترقب والحذر، وتأجيل الفرحة الكبيرة حتى نتأكد من أنه لم يعد للعصابة دور في إدارة البلد.

وأرجو ألا ننتظر كثيرا لكي نعيش الفرحة الأكبر التي تحل حين تختفي العصابات المماثلة في كل بلد.


المصدر: صحيفة "الشروق" المصرية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام