الأربعاء 04/10/1438 - الموافق 28/06/2017 آخر تحديث الساعة 03:24 ص مكة المكرمة 01:24 ص جرينتش  
صحف
لم يعد... "شعبُ مصر لمن غَلَب"!

لم يعد... "شعبُ مصر لمن غَلَب"!

1432/02/25 الموافق 29/01/2011 - الساعة 01:07 م
|


الشعب المصري تحرك كثيراً وفي الشارع من اجل المطالبة بحقوقه وخصوصاً في النصف الأول من القرن الماضي. وتركزت مطالبه في معظمها على مقاومة الفساد الذي استشرى في العهد الملكي، والذي كان من أسباب هزيمة جيش مصر في مواجهة الإسرائيليين عام 1948. كما تركزت على مقاومة النفوذ الاستعماري الغربي سواء داخل مصر أو حتى داخل الأسرة الحاكمة، وعلى التمسك باستعادة القرار الحر والمستقل من أصحاب هذا النفوذ، وبجلاء الجيوش الأجنبية عن ارض مصر، وبحق مصر في السيطرة على مقدراتها ومرافقها العامة وفي مقدمها قناة السويس. لكن هذا الشعب امتنع عن التحرك السياسي والشارعي إلا في مناسبات محدودة منذ قيام الثورة الناصرية عام 1952، وإرسائها نظاماً في مصر حقق الكثير من المكاسب لشعبها وخصوصاً على الصعد التعليمية والثقافية والاقتصادية والحياتية، كما مكَّنها من اكتساب زعامة الجماهير في كل العالم العربي، والكثير من التأثير في العالم الإسلامي، مع كثير من الاحترام في دول العالم الثالث. لكنه (أي النظام) ابتعد عن الديمقراطية، ومسَّ الكثير من الحريات، وأطلق يد الأجهزة الأمنية والمخابراتية كي تتحكم بالشارع وتقيه مفاجآته. واستمر هذا النظام سارياً في مصر حتى بعد رحيل مؤسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأثناء حكم خلفه (الراحل) أنور السادات، ثم خلف السادات الرئيس الحالي حسني مبارك. وتمتد هذه المرحلة نحو 58 سنة. وخلالها لم يتحرك الشارع المصري إلا مرات قليلة جداً. أولاها كانت احتجاجاً على غزو إسرائيل وفرنسا وبريطانيا مصر عام 1956 ودعماً لـ"الزعيم الأسمر" عبد الناصر في مواجهة الاستعمار. وثانيتها، كانت لوداعه بعد وفاته في أيلول 1970. وثالثتها، كانت احتجاجاً على سياسات اقتصادية وأطلق عليها في حينه، عام 1970 على الأرجح، ثورة الخبز. أما الرابعة، فهي التي بدأت قبل أيام والتي تبدو أكثر خطراً من سابقاتها على النظام الحاكم بل على الأسرة الحاكمة نظراً إلى تشعب أسبابها وترابطها في الوقت نفسه. طبعاً لا يعني ذلك أن مصر لم تشهد تحركات شعبية أخرى خلال المدة الطويلة المذكورة أعلاه. لكنها كانت اقل خطورة، وأكثر موضعية، وتالياً أكثر تقبّلاً للعلاج سواء المخابراتي أو الأمني أو الفعلي الرامي إلى إيجاد حلول لها.

ما هي أسباب التحرك الشعبي المصري الأخير الذي يبدو انه يُهدِّد للمرة الأولى نظام مصر وحكم رئيسها حسني مبارك الذي أمضى قرابة 30 سنة في السلطة حتى الآن، والذي يعمل كل ما في وسعه منذ سنوات لتوريث ابنه جمال السلطة؟

يعتقد بعض المحللين والباحثين الأمريكيين وغيرهم أن انتفاضة تونس، بل ثورتها العفوية التي أطاحت في اقل من شهر الرئيس زين العابدين بن علي ونظامه الديكتاتوري، كان لها اثر محفِّز جداً عند الجماهير المصرية التي قالت لنفسها إنها تستطيع التغيير فهي الأكبر عدداً بما لا يقاس من جماهير تونس والأكثر بؤساً منها بما لا يقاس أيضا، وتالياً الأكثر قدرة على تحقيق الأهداف، لكن هذا البعض يعتقد أيضا أن للاقتصاد دوراً مهماً في دفع المصريين إلى النزول إلى الشارع. فشباب مصر يشكّلون 70 في المئة من شعبها، وهم يعانون البطالة بأكثريتهم سواء في إدارات الدولة، أو في القطاع الخاص المتطور حيث لا يتناسب تعليمهم مع المؤهلات التي يتطلبها العمل فيه. ونسبة عالية من شعب مصر تعيش على ما يقدّر بأربعة دولارات أمريكية يومياً، علماً أن كلفة المعيشة فيها ارتفعت على نحو جنوني. فضلاً عن أن الحكومات المصرية المتعاقبة طبَّقت سياسات إصلاح اقتصادي استحقت تصفيق المسؤولين في صندوق النقد الدولي، لكنها استحقت في الوقت نفسه لعنات الجماهير المصرية وغضبها، ولا سيما القسم الذي رفع الدعم عن سلع حيوية وأساسية لا يستغني عنها المصريون ولا سيما منهم فقراؤهم.

ويعتقد بعض آخر من الباحثين والمحللين الأمريكيين وغيرهم أن ارتفاع نسبة التعليم في أوساط شباب مصر، سواء كان تعليماً عادياً أي تعليم المدارس الحكومية، أو تعليماً متقدماً أي تعليم المدارس والجامعات الخاصة، عرّف هؤلاء الشباب إلى الإعلام ليس التقليدي فحسب بل المتقدم والالكتروني، ومكّنهم من معرفة ماذا يجري في العالم وماذا يجري من حولهم، وأتاح لهم التواصل في ما بينهم والتفاهم إذا دعت الحاجة، كما حصل في الأيام الماضية، على الانتفاض ضد الظلم والجوع والفقر والتحجُّر وما إلى ذلك. ويعتقد بعض ثالث من المحللين والباحثين الأمريكيين أنفسهم أن "الإخوان المسلمين"، أقوى الحركات الحزبية الدينية في مصر وأكثرها شعبية، كان لهم دور في الانتفاضة المصرية المستمرة ولكن بجمهورهم وليس بقيادييهم، و"بقرار" اتفق على أن يوصف بالعفوي منهم لأسباب عدة أبرزها معرفة قيادة الإخوان أن تورطهم رسمياً وبكل قوة في ما يجري سيدفع النظام إلى ضربهم بقوة مصوراً بذلك وللعالم كله وللمصريين انه يكافح "الإرهاب الإسلامي الأصولي". وقد يمكّنه ذلك من إنقاذ نفسه وخصوصاً إذا نجح في استعداء قطاعات شعبية مصرية ليبرالية واسعة على "الإخوان".

هل تتحول الانتفاضة العفوية في مصر ثورة أو هل تنجح في تغيير النظام كما حصل في تونس؟

لا بد من القول إن ما يجري في مصر من شأنه "وأد" المقولة التي اعتبرت شعبها من قديم الزمان سلبياً لا يتحرك حتى للمطالبة بحقوقه، والتي اختصرها البعض بالقول المأثور: "إن مصر نيلها ذهب ونساؤها لُعَب وشعبُها لمن غَلَب". أو على الأقل أن من شأن ما يجري شطب القسم الأخير من هذا القول، والتأكيد أن شعب مصر حر ويتحرك بقوة لدى تعرّضه للظلم. أما بالنسبة إلى نجاح الانتفاضة في التحوّل إلى ثورة ناجحة فان أحدا لا يجزم بذلك، أولاً لأن مصر غير تونس رغم أن المظاهر والأعراض في البلدين تتشابه كثيراً. ويظهر الاختلاف في نظام مصر المرن رغم ديكتاتوريته وشموليته. ويظهر أيضا في المؤسسة العسكرية المصرية القوية والضخمة والمُحترَمة من المصريين. وليست هذه حالها في تونس. ويعني ذلك، على الأقل حتى الآن، أن حظوظ المنتفضين في قلب مبارك ونظامه غير قوية، لكن ما حققه هؤلاء حتى الآن أيضا هو أنهم دقوا جرس الإنذار لـ"الحزب الوطني الديمقراطي" الحاكم، ولزعيمه مبارك وأحبطوا آمالهما في تأمين انتقال هادئ وسلس للسلطة من الأخير إلى ابنه جمال، وأن الشعب المصري لن يكتفي بعد الآن بإجراءات اقتصادية ذات طبيعة استهلاكية لا بنيوية يتخذها النظام لامتصاص النقمة. وهم ربما يحققون في الأيام المقبلة أمرا ثالثاً هو إطلاق عملية الإصلاح الفعلي. أما إذا لم يحصل ذلك كله، فإن مصر قد تدخل مرحلة عدم استقرار طويلة مؤذية لها وللمنطقة والعالم. وذلك أمر لا يتساهل معه قادة الاثنين. ولذلك فانه قد يُفسِح في المجال أمام التغيير الآمِن. ولا يقوم بتغيير كهذا في مصر إلا الجيش.


المصدر: صحيفة "النهار" اللبنانية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام