الأحد 04/08/1438 - الموافق 30/04/2017 آخر تحديث الساعة 05:56 م مكة المكرمة 03:56 م جرينتش  
أنشطة المشرف

تعليق د. الفوزان على ثورة تونس المباركة

1432/02/28 الموافق 01/02/2011 - الساعة 01:55 م
|


أحيي بكل إجلال وإكبار أهلنا وإخواننا في تونس، وأبارك لهم هذه الثورة المباركة التي أزاحت هذا الطاغية وهذا النظام الدكتاتوري المستبد، الذي جثم على صدر هذا البلد العربي المسلم لأكثر من 23 عاما، وتفنن وأعوانه - مع الأسف - في إذلال مواطني هذا الشعب ومصادرة حرياتهم وتكميم أفواههم، في محاولات مستميتة لنزع روح المقاومة والكرامة من نفوسهم.

إن ما حدث في تونس لم يكن وليد الساعة بل له جذور ضاربة في التاريخ؛ فقد ظل الاستعمار - بل الاستخراب - الغربي البغيض جاثما عقوداً طويلة على صدور بلاد الإسلام كلها إلا بلاد الحرمين الشريفين، وعندما قسمها إلى دويلات صغيرة بموجب اتفاقية "سايكسبيكو" المشؤومة في عام 1916م, يسر الله عز وجل من هذه الأمة من يقوم بنصرتها من أبنائها وعلمائها ومشايخها وشعبها، وظل هؤلاء يقاومون الاستعمار ويبذلون التضحيات الجسام حتى أنه استُشهد في الجزائر وحدها ما يربو على مليون شهيد, وكذلك الحال في تونس وليبيا والمغرب ومصر والشام وغيرها.

لكن بكل أسف لما أدرك المستعمرون الصليبيون أنه لا مجال لهم بالبقاء في بلاد الإسلام إلى الأبد وأنهم مهزومون لا محالة لجئوا إلى خطة خبيثة وأشد نكاية بالأمة وإذلالاً لها من الاستعمار الصريح، الذي يستفز الشعوب للجهاد والمقاومة، والتضحية والفداء؛ حيث صنعوا رجالا على أنظارهم، وربوهم على مناهجهم، ومسخوا فيهم معاني الكرامة والعزة والانتماء للهوية الإسلامية العربية الأصيلة، وما زالوا ينفخون فيهم ويمهدون لهم الطريق، ويمدونهم بأسباب القوة والتمكين، حتى تسلموا قيادة عدد من الدول العربية، وصاروا عملاء مخلصين لأولئك المستعمرين، يأتمرون بأمرهم، وينفذون مخططاتهم، ولو على حساب دينهم ومصالح أوطانهم وأمتهم، ثم تلا ذلك ثورات وانقلابات عسكرية وتغيرت وجوه عديدة.

وها هي تونس الخضراء - منذ تحررت من الاستعمار الفرنسي قبل حوالي 80 سنة - عانت من حكام جبابرة ضربوا أبشع الأمثلة في العمالة والنذالة، والذلة والتبعية، والفساد المالي والإداري والأخلاقي، ومحاربة الإسلام والمسلمين، أكثر مما فعله المستعمر الفرنسي. لكن بعد صبر طويل، ومعاناة شديدة، وتضحيات كثيرة انفجر البركان وانطلقت تلك الثورة العارمة التي قام بها شعب تونس كله بعدما لم يحتمل هذا الظلم الذي تجرع مرارته طيلة عقدين من الزمن.

شعب تونس صبر طويلا

لقد صبر الشعب التونسي طويلا لعل الأمور تفرج، ويرجع هؤلاء عن غيهم أو يعودون إلى رشدهم ويشعرون بعظم الأمانة الملقاة على عواتقهم؛ فيستمعون إلى النصائح التي تأتيهم من العقلاء المحبين الذين يريدون مصلحة هذا البلد ومصلحة هذا الشعب ومصلحة الأمة كلها، لكن رئيس تونس المخلوع - مع الأسف الشديد - لم يزده حلم هذا الشعب وتحمله وصبره إلا إمعانا في الظلم والاستبداد، والملاحقة والتشريد لكل الأقوياء الشرفاء الحريصين على مصلحة هذا البلد، وبلغ به الطغيان والأمن من مكر الله، أنه كان  يتفاخر بنجاحه في محاربة الإسلام، وتجفيف منابع التدين ومظاهر الصلاح والاستقامة مع أنه يحكم بلداً من أكبر بلاد الإسلام؛ بلد له تاريخ حافل في نصرة قضايا الإسلام والمسلمين.

وكان هذا الطاغية يتبجح بأن قبضته الحديدية وتجفيفه لمنابع التدين هي التي جعلت تونس تنعم بالأمن والاستقرار، ولم يزل دعاة العلمانية والإفساد في كثير من الدول العربية يصفقون لهذا النظام الاستبدادي المجرم، ويجعلونه مثالاً يحتذى لبقية الدول العربية ويحرضونها على أن تحذو حذو هذا الطاغية المحارب لله ولرسوله وللمؤمنين إن كانت هذه تنشد الرفاهية والاستقرار، ويزعمون أن هذا البلد لما جفف منابع التدين وحارب الإسلام والمسلمين أصبح بلدا مستقرا أمنياً، ومزدهرا اقتصاديا وتنموياً، ثم نفاجأ في أقل من شهر بأن هذا البلد كانت تغلي مراجله منذ سنين، ويعاني مرارات لا تحتمل من الظلم والاستبداد، والجوع والفقر، والفساد المالي والإداري، ومصادرة الحريات، وتخويف الناس وإذلالهم، فبلغ السيل الزبى، ولم يحتمل هذا الشعب الأبي وثار ثورته المباركة، ثم تسارعت الأحداث بشكل عجيب لم يكن متوقعا!!

وبعد أن قال الشعب كلمته، يأتي هذا الظالم المتعجرف في آخر أيامه ويعتذر بكل صفاقة وغباء قائلاً: الآن فهمتكم!!، يا سبحان الله، حكمت مواطني شعبك لمدة 23 عاما ولم تفهمهم إلا الآن, وصدق القائل: فإن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.

دروس وعبر

ثم يقدم التنازلات تلو التنازلات، ويؤكد بلغة الخائف المذعور: أنه لا رئاسة مدى الحياة. وكم في هذا الموقف من الدروس والعبر لكل طاغية مستبد، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه!!

الدرس الأول:

إن الحاكم العاقل - الذي يريد مصلحة بلده ومصلحة نفسه أيضا فضلا عن أن يكون مسلما يعرف ثقل الأمانة الملقاة على عاتقه، ويرجو الله والدار الآخرة -  ليس له من سبيل إلا أن يجتهد في الإصلاح والنصح لرعيته، وأن يتقي الله – تعالى - في شعبه، ويؤدي الأمانة التي وكلت إليه، ويحذر من أن يكون ممن قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم - :  "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" (رواه البخاري- 615) ؛ فالحاكم أيا كان وفي أي بلد يبقى واحداً، وعادة ما يكون حوله أعوان ومنتفعون يستقوون به، ويستظلون بعباءته، ويعينونه على ظلمه واستبداده، ودعهم يبلغون ألفاً أو ألفين أو 100 ألف، هل بإمكانهم أن يكبحوا جماح شعب بعشرات الملايين يأبى الضيم، وينشد الرفاهية والاستقرار؟!

الدرس الثاني:

إن هذا الطاغية المتجبر الذي ظل طيلة سني حكمه يتفنن في إحكام قبضته على هذا الشعب وإذلاله ونزع روح الكرامة والمقاومة منه، فكم قتل من الشرفاء، وكم سجن وكم شرد من الغيورين على هذا البلد وأهله في شتى بلاد العالم، بل أخذ يلاحقهم حتى في المنفى ومع ذلك لم يغن عنه جبروته وطغيانه، ولم ينفعه أعداء الأمة الذين كانوا يدعمونه ويباركون ظلمه وإجرامه، وكان أحرص ما يكون على إرضائهم وكسب ولائهم، إضافة إلى أعوانه في الداخل الذين يسبحون بحمده ليل نهار، كلهم تخلو عنه لما لفظه الشعب، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وامتنعت فرنسا حليفه الرئيس وغيرها من الدول الغربية عن استقباله، وكم في هذا من العبر والعظات؟ وصدق ربنا عز وجل حيث يقول: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} (الملك: 20)، ويقول - سبحانه - : {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (آل عمران: 160)؛ فلم يغن عنه ماله ولا جاهه ولا سلطانه ولا جنوده ولا أعوانه، وهم الآن يشمتون به ويتشفون فيه, وربما كان بعضهم يشعر بالظلم والهضم وهذه فرصته للتشفي والانتقام, ومنهم من هو مداهن منافق يرى أن المرحلة تغيرت ويريد أن يركب الموجة ويحسن صورته.

الدرس الثالث:

إن شؤم الظلم عظيم، وعاقبته وخيمة، والغالب أن عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة، كما قال ربنا - سبحانه وتعالى- : {...وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء: من الآية 227) وقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} (إبراهيم: 42) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ الْعُقُوبَةَ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ".

الدرس الرابع:

إن مالك الملك هو الله - عز وجل - وهو المدبر لشؤون هذا الكون، فالخلق خلقه، والأمر أمره، وما هؤلاء الخلق - مهما علا كعبهم وارتفع شأنهم في هذه الدنيا بجاه أو مال أو سلطان - إلا ضعفاء مساكين، فقراء محاويج، لا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم حولا ولا طولا ولا قوة: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 26).

وصايا للشعوب والحكام

وفي الختام أوصي إخواني في تونس أن يحافظوا على هذا النصر الكبير الذي حصل، وأن لا تُقطف ثمرة هذه التضحيات الجسام التي قدموها ليس فقط في الشهر السابق بل طيلة 23 سنة، يجب أن يحذروا من الالتفاف على ثورتهم، وألا يُحتال عليهم ويُختطف هذا النصر من بين أيديهم لصالح أناس لا يريدون بالبلد وأهله خيراً، وأوصيهم بتقوى الله تعالى، وأن تتحد كلمتهم وأن يضعوا أيديهم بعضها في بعض ويقطعوا الطريق على أعداء الأمة الذين باعوا دينهم وكرامتهم لأعداء الأمة والوطن، وأصبحوا معاول هدم وتخريب لدينهم وأوطانهم، وأتمنى أن يختاروا أصلح أهل بلدهم وأكثرهم أمانة وكفاءة وقوة ليدير شؤونهم، ويرعى مصالحهم، مع التجرد من جميع الحزبيات والعنصريات الجاهلية، وأن يكون رائدهم وهدفهم الأول هو مصلحة هذا البلد، وتولية الشخص الصادق المخلص الذي يسعى لتحقيق الأمن والرخاء والرفاهية، ويضمن الحريات المنضبطة التي بها يرتقي البلد في سلم الحضارة والتنمية، ويبدع أهله في شتى مجالات الحياة النافعة.

وأوجه نداء لحكام العرب أن يأخذوا العبرة مما حصل وأن يتقوا الله في دينهم وفي شعوبهم وأوطانهم, وعليهم أن يسألوا أنفسهم: لماذا العالم كله فيه حرية وشفافية ومشاركة سياسية، وتكافؤ في الفرص ومحاسبة للمفسدين والظالمين بينما مع الأسف أكثر الدول العربية على الضد من هذا؟ ولماذا يُعرضون أوطانهم للفتن والقلاقل، ويجعلون شعوبهم تكرههم بهذه الطريقة وتتمنى الخلاص منهم؟!

وأوجه نداء أيضا إلى الشعوب بأن يجتهدوا في إصلاح الأوضاع والحرص على استتباب الأمن والاستقرار، وإقامة العدل بين الناس، وألا يدمروا البلاد ويفتحوا فيها ثغورا قد ينفذ منها الأعداء فيفتتون بلدانهم, وأوصيهم بتقوى الله، وأن يغلبوا المصلحة العامة على المصالح الفئوية والحزبية والشخصية والمناطقية والقبلية.

الذي نخشى منه في تونس أو غيرها أنه إذا انفلت الأمن أن تثور هذه العصبيات الجاهلية، فنجد أن كل إنسان يريد أن يأخذ خيرات البلد لفئته أو منطقته أو قبيلته أو حزبه ثم يدمر البلد بأكمله، وهذا ما يتمناه أعداؤنا، وهو الذي يراهنون عليه، وسيعملون عبر أصابعهم الخفية على تحقيقه، ليقتل أهل البلد بعضهم بعضاً، وتنتشر العداوات وتدمر مصالح البلد فيسهل عليهم تفتيته والسيطرة عليه.

إن أخطر شيء يهددنا وهو ما تراهن عليه إسرائيل ومن يدعمها من أعداء الأمة أن يفتتوا البلاد الإسلامية والعربية - وبخاصة المجاورة لإسرائيل - إلى دويلات. وليس سراً أنهم يتحدثون عن الشرق الأوسط الجديد, وأنهم يخططون لتقسيم كل بلد عربي إلى عدة دويلات متناثرة متحاربة، ضعيفة متهالكة، وما فصل جنوب السودان وإثارة الفتنة في دارفور تمهيداً لفصله إلا جزء من هذا المخطط الخطير، وكذلك الحال في لبنان وفلسطين واليمن وغيرها.

ولذلك يجب علينا أن نقطع الطريق عليهم بتوحدنا واعتصامنا بحبل الله المتين، لنتق الله عز وجل وأن لا نكون نجعل من أنفسنا جسرا لأعدائنا لتدميرنا وسفك دمائنا واستلاب مصالحنا وخيراتنا، يجب أن يكون هناك تعقل ونظر في عواقب الأمور ومآلاتها، وأن يرجع الناس إلى رأي العلماء والعقلاء وأهل الحل والعقد، ليهدوهم إلى ما فيه صلاح أمرهم وسعادتهم في دنياهم وأخراهم.

أسأل الله عز وجل أن يصلح أحوال المسلمين ويهديهم سواء السبيل، وأن يحفظ أهلنا في تونس ويولي عليهم خيارهم، ويكفيهم شر شرارهم، الذين هم ذئاب مفترسة في ثياب حملان وديعة مسالمة، ويريدون قطف ثمرة هذه الانتفاضة والتحايل عليها.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
المعتصم بالله        اليمن         2011/04/02
تحياتي لكل علماء الأمة الذين بذلوا ولايزالون يبذلون للرفع والسمو بمكانة هذه الأمة وأسأل الله أن يوفقهم وأن يجمعنا بهم في الجنة آآآآمين
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام