الأربعاء 04/10/1438 - الموافق 28/06/2017 آخر تحديث الساعة 03:24 ص مكة المكرمة 01:24 ص جرينتش  
صحف
ارفع رأسك يا مصري

ارفع رأسك يا مصري

1432/02/30 الموافق 03/02/2011 - الساعة 01:28 م
|


حدثت الثورة في مصر من حيث لا يحتسب الكثيرون، وخرجت ملايين الشعب المصري من أجل الحرية والعدالة والكرامة، وفعل المصريون كما فعل التوانسة لينهوا ما سمى "بالاستثناء العربي" من الديمقراطية والحياة الكريمة.

نعم لقد قام الشعب المصري العظيم وشبابه الرائع بالثورة العظمى فى تاريخه الحديث، وأثبت قدرته على إسقاط نظام استبدادي أهانه على مدار ثلاثة عقود، وأكد أن مصر التي قلنا عنها مرارا إنها تتغير من "أعلى" منذ محمد على مؤسس الدولة المصرية الحديثة، مرورا بأحمد عرابي وجمال عبد الناصر، تغيرت بالناس والجماهير، لتسطر ملحمة جديدة في تاريخ مصر الحديث وتؤسس لشرعية جديدة للنظام السياسي المصري.

إن هذه الثورة التي قادها شباب تجاوز بخطوات واسعة نخبته وقواه وأحزابه السياسية وقدم ثورة شعبية ستغير ليس فقط من شكل نظامها السياسي إنما أيضا من نمط العلاقات القائم على القهر والمهانة الذي عاشه الشعب في ظل عهد مبارك.

إن مصر الجديدة لن تسمح بأن يكون هناك قتيل كل أسبوع في أقسام الشرطة، ولن تسمح بتدخل جهاز أمن الدولة في قتل السياسة ومحاصرة المجتمع المدني واختيار عمداء الكليات والوزراء، وقهر الناس بالنظر لكل مواطن على أنه متهم حتى يثبت الولاء.

إن ثورة هؤلاء الشباب ستغير من علاقة كل مرؤوس برئيسه، وستفتح الباب أمام إنهاء صور القهر والمذلة التي رأيناها لعقود بين كل من جلس على كرسي (مهما كان صغره وتفاهته) وبين الناس، وستقضى على هذا الإرث الفرعوني الذي حكم كثيراً من علاقاتنا الاجتماعية والسياسية.

إن المواطن المصري الذي عرفناه حاضرا في أخبار حوادث الطرق، وتحت البيوت التي تنهار على ساكنيها، وفى العبّارة التي راح ضحيتها أكثر من ألف مواطن، وفى زنازين الأقسام والمعتقلات، هذا المواطن الذي تحمل قهرا واستعلاء امتد لأكثر من ثلاثين عاما، عاد ثائرا على أوضاعه، ومقدما ملحمة جديدة حطمت الصورة النمطية التي راجت عنه لعقود من الزمان.

لقد أسقط ثوار مصر "كليشيهات" كثيرة كرسها النظام، وقدم وجها حضاريا عظيما عن هذا الشعب، فكان متحضرا لأقصى درجة في مظاهرته المليونية بميدان التحرير، فلا حادثة تحرش واحدة ولا اعتداء واحداً تعرضت له الممتلكات العامة أو الخاصة، في مقابل أنصار النظام من بلطجية الانتخابات وأرباب السوابق الذين لم يجد غيرهم ليطلقهم على الناس.

إن أي نظام سياسي في العالم قادر على أن يخرج من الناس أفضل أو أسوأ ما فيهم، والحقيقة أن ثورة الشعب المصري أثبتت أصالة هذا الشعب وكيف أنها أخرجت أفضل ما فيه من قيم راقية ومتحضرة وعناد هائل من أجل انتزاع حريته، وكيف أن نظام الحكم الذي جثم على صدور الناس أخرج من بعضهم أسوأ ما فيهم.

فنحن أمام نظام لا يتمتع فقط بالفشل السياسي، إنما أيضا بفشل اقتصادي واجتماعي وأخلاقي غير مسبوقين، فقد نجح فى ضم موالين معدومي الكفاءة وفاسدين ومثلوا امتداداً وفيا للبلطجية الذين أطلقهم على الناس، في مشهد يوضح حجم الفارق بين أغلبية عظيمة من هذا الشعب تتمتع بالاحترام والرقى والنبل والكرامة، وأخرى قدرت ببضعة آلاف خرجت تتحدث بنفس اللغة التي يتحدث بها الرئيس مبارك "خلونا نأكل عيش" حتى لو أوهمنا كل يوم وسرقنا الفاسدون كل ساعة، فالحل هو في الخنوع والاستكانة، وانتظار "المنحة يا ريس".

إن رأس هؤلاء الشباب المرفوع ضد الظلم والاستكانة قدم "مصري جديد" يؤسس لشرعية جديدة لعصر المواطن لا الرعية، ويعيد الأمل للمصريين الذين لم يعرفوا منذ حرب أكتوبر معنى إيجابياً واحداً حتى لو كان المهنية في العمل، أو الإنجاز السياسي والاقتصادي، فلم نر إلا أحمد عز وعالمه الافتراضي يبرر التزوير ويقننه، ورئيساً لا يتحرك لمواجهة أي شكوى للمواطن المصري إنما فقط لحماية أمنه ونظامه، وحاشية سوء وأجهزة أمن لم تقدم للشعب المصري قيمة واحدة تجعله يتغاضى عن استبداد النظام لصالح العدالة أو الكرامة، إنما هو قهر لصالح شلة توريث وعصابات المنتفعين، وحتى الدولة التي بناها وافتخر بها على مدار عقود تحولت إلى عزب ومماليك كل منها ليس أمامها إلا قهر الناس.

لقد دخلت الثورة المصرية الجديدة التاريخ من حيث لم يحتسب الكثيرون، وقدمت واحدة من أروع الثورات الشعبية التي فيها من سمات الشعب المصري المسالم والمتسامح الكثير، ونجحت في تحويل أحلام كثير من الشعوب إلى حقيقة وشعر أبو القاسم الشابي إلى واقع يمتد من تونس إلى مصر. إن ثورة مصر لم تصنعها التنظيمات ولا الأحزاب السياسية التي همّشها النظام إنما جماهير الشعب، وقادها شباب في العشرينات قدم ملحمة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، ورفع شعارات مدنية غابت في مراحل سابقة وأكدت التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية، فى رسالة واضحة لكل العالم تقول إن من اختزلوا البلاد في الحزب الوطني والإخوان كانوا واهمين، وإن من اعتبروا إن الإخوان المسلمين غير قابلين للدمج في العملية السياسية والديمقراطية كانوا مخطئين، وإن من قالوا إن ما تشهده مصر ثورة إسلامية على الطريقة الإيرانية (كما ذكر رئيس وزراء إسرائيل)، وليس ثورة مدنية، هو كذب واحتيال.

نعم لقد تغيرت مصر وولدت من جديد وصنع الشعب المصري ملحمة من نور سطرتها دماء الشهداء وشبابه المخلص الذي يجب أن نفتخر به ونعرف أنه رغم كل حملات التشويه المنظم الذي انهالت عليه على مدار ثلاثين عاما فإنه تحرك وصنع ثورة جعلت كل مصري الآن يمشى مرفوع الرأس مفتخرا بمصريته، وأننا شعب عظيم وأمة عظيمة وأن المستقبل سيشهد ميلاد مصر المواطنين لا الرعايا، مصر الفاعلة لا المفعول بها، مصر المحترمة الكريمة بشعبها العظيم وشبابها البطل.


المصدر: صحيفة "المصري اليوم" المصرية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام