الأحد 02/02/1439 - الموافق 22/10/2017 آخر تحديث الساعة 12:30 ص مكة المكرمة 10:30 م جرينتش  
مقالات
من وحي الحراك المصري.. هل فقد الغرب السيطرة؟

من وحي الحراك المصري.. هل فقد الغرب السيطرة؟

1432/03/02 الموافق 05/02/2011 - الساعة 12:00 ص
|


عدة زوايا يمكن النظر منها إلى الحراك المصري المطالب بالتغيير, ومن قبله "ثورة الياسمين" التي تمكنت من الإطاحة بالرئيس التونسي زين الدين بن علي, منها ما هو داخلي كتأثير هذا الحراك على شكلية هرم السلطة, وطبيعتها وماهيتها.  

ومنها كذلك ما هو خارجي, كالموقف الغربي من هذا الحراك الذي ينتقل بصورة متسارعة من بلد عربي إلى آخر, والذي يستدعي سؤالا: هل فقد الغرب سيطرته على صناعة الأحداث في العالم العربي وأصبح مجرد مشاهد لها وفقط, ومن ثم غير من نظرته للمنطقة العربية وسيضطر للتعاطي معها بشكل مختلف؟

إذا ما ركزنا على الإجابة على هذا السؤال, فيمكن أن نسجل نقطة بالغة الأهمية, وهي أن الغرب لم يكن مدركا لطبيعة هذا الحراك, ولا توقيته, ولم يسيطر عليه ولم يوجهه, وربما لا يعرف إلى أين تذهب الأمور في العالم العربي بعد هذه الانتفاضات السياسية المتسارعة.

فقبل هذه الحركات كان يمكن القول أن الدول الغربية, وخاصة الولايات المتحدة, كانت مطمئنة إلى سير الأحداث في العالم العربي وأنها تحت السيطرة التي تكفل لها تسيير السياسيات حسب مرادها ومصالحها, بل وكانت مطمئنة كذلك إلى أن الغد لن يحمل لها جديدا استراتيجيا مفاجئا.

وقوضت هذه الأحداث تلك الفكرة عن بكرة أبيها, وأظهرت أن الغرب فشل بالفعل في التنبؤ بما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في تلك الدول, وفوجئ كما فوجئ غيره في الداخل العربي بقوة تغييرية جارفة تمكنت من كتابة تاريخ جديد لبلدانها بمعزل عن الاملاءات والتوجهات الغربية التي كانت في الماضي صانعة الأحداث, فإذا بها تجلس تلاحق الأحداث وتسعي لتحصين مصالحها, وتتخوف من القادم المجهول.

ولذا وجدنا البيت الأبيض يعرب عن انزعاج شديد من الفشل الاستخباراتي في توقع الأحداث في مصر وتونس.  

أما عن طريقة تعاطي الغرب مع تلك الأحداث, التي مرت بها تونس ومن بعدها مصر, فقد أظهر برجماتية عالية, ستترك بلاشك أثارها في رؤية القيادات السياسية الحديثة التي يمكن أن تؤول إليها مهمة الحكم في تلك الدول العربية, وطريقة ممارسة مهامها.

فقد وقفت فرنسا ترقب الموقف عن كثب في تونس, وتأرجحت سياستها على حسب مجريات الأحداث, فلم تؤيد انتفاضة ولم تدعم حراكا تونسيا للتخلص من حكم الرئيس المخلوع  زين العابدين بن علي, بل دعمت النظام بأسلحة لمواجهة "الشغب", والمحافظة على الاستقرار, وحينما تأكد لها نحاج قوة التغيير تغيرت لغة الخطاب والتي انتهت برفض استقبال بن علي على أراضيها, بل ورفضت تزويد طائرته بالوقود اللازم, على اعتبار أن فرنسا "شقيقة للشعب التونسي وانتفاضته"!

النهج ذاته, سلكته الولايات المتحدة الأمريكية, التي غيرت لغة خطابها, ربما في اليوم الواحد على حسب تموضع حركة التغيير, فكانت تدعم "الاستقرار" في مصر في بداية هذا الحراك الذي قوبل بقمع شرطي, ولما استبان لها قوة هذا الحركة وأنها عصية على الاستئصال, توازنت لغة الخطاب بين دعم الاستقرار وتلبية مطالب المحتجين, ثم في الأخير من خطابها ألحت على ضرورة تلبية هذه المطالب المشروعة "الآن وفورا", مستخدمة كل ما في جعبتها من مفردات لتأكيد وقوفها إلى جانب المعارضين للنظام الحاكم وانحيازها لمطالب الشعب!   

هذا المسلك الغربي في التعاطي مع الحراك التغييري ورؤساء تلك الدول الذين يواجهون مثل تلك الحركات سيترك بصمات واضحة, وقد يفرض تغييرا نوعيا في طبيعة علاقة الرؤساء الجدد بالغرب من ناحية, وعلاقاتهم بشعوبهم من ناحية أخرى.

فإذا كان من البديهي أنه لا صداقات دائمة, ولا عدوات دائمة في عالم السياسية, بل مصالح دائمة, فقد تأكد عمليا أن التحصن بالشارع وحسن التعاطي معه ربما يكون هو الضمانة للاستقرار والاستمرار في سدة الحكم, على اعتبار أنه القوة التي أصبحت لها اليد العليا في صناعة القادة والأحداث وليس الغرب, وأن المصلحة الحقيقة للقادة هي في الانحياز لهذا الشارع لا الاحتماء بقوى الغرب التي هي أول من يتخلى عن "الأصدقاء".

وهنا يمكن القول أننا ربما أمام تاريخ جديد يكتب في علاقة القادة السياسيين بشعوبهم العربية, من ناحية حسن تقدير هذا الشعب, ومطالبه باعتباره القوة الحقيقة التي تخلع من تريد وتنصب من تريد, بعد أن كان هذا الشعب كما مهملا, لا يُنظر إليه من قبل القادة السياسيين المتنفذين إلا نظرة السيد للعبد, الذي لا مجال أمامه إلا الاستجابة المطلقة والخضوع الكامل للأوامر والتعليمات و إلا قوبل بالأدوات الشرطية القمعية.

وقد شاهدنا شيئا من هذا التغير في عدد من الدول العربية, منها الجزائر,حيث أعلن الرئيس بوتفليقة أنه كلف الحكومة بـ"الشروع فورا"، في الإعداد لقانون يسمح برفع حالة الطوارئ التي تسري في البلاد منذ ما يقرب من 20 عاما, وأمر القائمين على الإعلام بالانفتاح على الأحزاب والجمعيات وتغطية نشاطاتها.

والأمر ذاته يمكن قراءته في الأردن, بعدما أكد الملك عبد الله الثاني خلال لقائه وفدا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي، للمرة الأولى, على أهمية العمل من أجل اتخاذ خطوات عملية لتحقيق التقدم اللازم في عملية الإصلاح السياسي.

كما أننا كذلك أمام تاريخ جديد يكتب في علاقة القادة السياسيين العرب بالغرب, بعد أن اهتز الاعتقاد الراسخ بأن الغرب هو الحصانة من خلع هؤلاء وتحصينهم ضد الانتفاضات الشعبية, وحركات التغيير الشبابية, ما قد يقود إلى تتغير هذه المعادلة, بحيث تتزن علاقة القادة الجدد بالغرب لتصبح في سلم الاهتمام متدنية عن الاهتمام بمصالح الشعوب وتطلعاتها.

فالعديد من السياسيين الغربيين بات هاجسهم الأول وصول نخبة سياسية إلى السلطة في البلاد العربية تقدم مصالح شعبها وتعمل لها على وجه حقيقي بما يتيح نهضة حقيقة لهذه الدول بمعزل عن التدخل الغربي.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
ياسر المهدي        مصر         2011/05/02
لا املك إلا ان اقول ان الحرية ليست كلمات تصاغ في أسطر أو خطابات تلقى في المحافل وانما هي احساس انه لا عبودية الا لله لا لسلطان او لحاكم.وعندما توجهت العبودية للحكام والسلاطين فقدنا هذة الحرية .فهل ياترى ما يحدث الآن هو بداية لان نرجع الي الحرية ثانية ؟ أأمل ذلك وكلي ثقة بالله
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام