الاثنين 23/03/1439 - الموافق 11/12/2017 آخر تحديث الساعة 06:50 ص مكة المكرمة 04:50 ص جرينتش  
مقالات
مبارك لمصر

مبارك لمصر

1432/03/03 الموافق 06/02/2011 - الساعة 12:00 ص
|


هنالك في الأندلس وفي زمن الحكم بن هشام الأول (180 – 206هـ) قامت ثورة في "الربض" (والربض: كلمة عامة تعني الضاحية أو الحي)، وهو أحد ضواحي قرطبة، يقع على الضفة اليسرى لنهر الوادي الكبير، فقد كان الحكم شاباً مولعاً بالصيد وحفلات الغناء، يفضل الشعراء على الفقهاء، كما انهمك بالملذات وكان مسرفاً، بينما كانت قرطبة دار علم، الأمر الذي جعله يفقد مكانته لدى الناس، وازداد الأمر سوءًا بفرضه لضرائب جديدة.

عرف الحكم بمؤامرة دبرها الفقهاء لتولي ابن عم له، فقبض على المتآمرين وقتلهم وكانوا اثنين وسبعين رجلاً، هال الناس هذا العنف والقسوة من الحكم، وفقدوا ثقتهم به، تكررت المحاولة سنة 190 هـ فقضى عليها، وبقى التوتر قائماً.

كان لا بد أن يؤدي هذا التوتر بين الحكم وشعبه إلى الانفجار، خاصة أهل الربض لتأثرهم بمقتل الفقهاء، وبعد حوالي ثلاثة عشر عاماً من مجزرة الفقهاء، ذهب أحد جنود الحكم إلى حداد بحي الربض ليصلح سيفه، وحدث خلاف بينهما فقتل الجندي الحداد، غضب سكان الربض فوثبوا على الجندي وقتلوه، وأغلقوا متاجرهم وتجمعوا للاحتجاج وزحفوا نحو قرطبة للتخلص من الأمير، وعبر الربضيين الجسر مسلحين بما وصل إلى أيديهم من سيوف وعصي، صعد الحكم على سطح القصر ثم دبر حيلة مع قادة حرسه، فأمرهم بالالتفاف حول الثائرين والذهاب إلى الربض وإشعال النار في منازله، وهو ما حصل، فاضطرب الناس وهرعوا لإنقاذ منازلهم وأهلهم، فاستغل الجنود الفرصة فقتلوا أعداداً كبيرة منهم، وقبضوا على ثلاثمائة فصلبهم الحكم الأول على ضفة النهر، ثم أمر بهدم حي الربض وحرث أرضه وزراعتها، ثم أمر بنزوح من بقي من الربضيين إلى خارج الأندلس.

وبقى الحكم معروفاً باسم الحكم الربضي، وبقيت حيلته تلك حاضرة مع قسوته، فعندما يغيب المكلف بالأمن فهو يتيح المجال للمجرمين بمجرد غيابه، وعندما يتحول الشرطي إلى حارق للبيوت ومروع للسكان، لكي تنفض الاعتصامات والاحتجاجات، عندها ندرك أن البلاد والعباد لا قيمة لها في مقابلة مصلحة الفرد، إنها معادلة مصلحة الفرد مقدمة على مصلحة الجماعة.

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن من أم قوماً وهم له كارهون"، وقال عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا تقبل منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون"، فإن كان هذا الأمر في الصلاة، فكيف عندما يخرج الشعب كله وهو يصرخ: ارحل.

إن مشاهد تلك المدرعات والحشود ورشاشات الماء على المصلين، وسقوط القتلى والجرحى مؤشر على مدى الطغيان والجبروت والظلم الذي بلغ مداه في مصر، إنها مشاهد باقية لن تمحى من التاريخ، بأي حق يقتل الأبرياء؟! بأي شرع؟! بأي نظام؟! بأي قانون؟! بأي مبرر؟!

إن مصر وشعبها المسلم أعظم من أن يضحى به من أجل فرد كائناً من كان، إن استمرار قانون الطوارئ، وإطلاق يد الأجهزة الأمنية دون محاسبة أو رقيب، والفساد والسرقات وتضيع مصالح الأمة، واحتكار الثروات، والتخلي عن دعم المقاومة في فلسطين، وحصار غزة، والتحالف مع الكيان الصهيوني، والصفقات المشبوهة كصفقة الغاز المصري، وغيرها من الملفات، هي تراكمات السنين، في هذا البلد الغني، إن مصر غنية برجالها، وثرواتها، وأرضها، ونيلها، وزراعتها، واقتصادها، وثقافتها، لا يمكن أن تكون على هامش السياسة، وهامش التاريخ، وهامش التأثير، إن عودة مصر لدورها ومكانتها هي بداية للتأثير في العالم كله نحو الأفضل بإذن الله، وإن ما يجري هو مؤشر على عودة مصر لمكانها وتأثيرها، سائلين الله عز وجل أن يجعل العاقبة للمتقين، وأن يقي مصر وتونس من شر سارقي الانتصارات، وأن يولي على المسلمين خيارهم، وحينها يمكننا أن نقول: مبارك لمصر، ومبارك للأمة زوال الظلم.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام