الاثنين 23/03/1439 - الموافق 11/12/2017 آخر تحديث الساعة 06:57 ص مكة المكرمة 04:57 ص جرينتش  
صحف
إسقاط النموذج التركي على الآخرين

إسقاط النموذج التركي على الآخرين

1432/03/04 الموافق 07/02/2011 - الساعة 06:22 م
|


قفز "النموذج التركي" إلى الواجهة من جديد، وهو الذي لم يغادر ساحة الإعلام، مع انفجار الحركات الشعبية الأخيرة في بعض الدول العربية.

ولا أحد يتجاهل حقيقة أن الثورات الشعبية في الغرب قد انتهت من أكثر من سبعين عاماً وحلت محلها صندوق الاقتراع. أما ما يجري من حراك شعبي أحياناً في أمريكا وأوروبا طلابياً كان أو عمالياً، فمن أجل تحسين سياسات قائمة وهي قد تفضي إلى انهيار سلطة سياسية عبر إجبارها على تقديم استقالتها. لكنها لم تستهدف يوما طبيعة النظام.

حقق الغرب لمواطنيه ديمقراطية وحريات واسعة لا تعدم شوائب. لكن الأساس دائماً تمت المحافظة عليه.

إنه سرّ الغرب أو الديمقراطيات الغربية. هنا لا يذهب الوهم أو الظن بأن ذلك ينسحب على السياسات الغربية في الخارج، حيث وحدها المصالح تتحكم بالسياسات، إذ كان الغرب ولا يزال هو الداعم الأساسي للأنظمة الدكتاتورية لأن مصالحه النفطية والاقتصادية كما حماية "إسرائيل" تقتضي التعاون مع أنظمة عميلة وتابعة مهما كانت درجة استبدادها، والأمثلة على ذلك لا تحصى.

يقول الكاتب التركي الموضوعي طه آقيول إن العرب افتقدوا ليس فقط الحريات والديمقراطية على صعيد السلطة السياسية، بل أيضاً على مستوى العمل البلدي وانسحب هذا على التيار الإسلامي أيضاً. فيما كان هذا قائماً في تركيا، حيث كانت مشاركة الإسلاميين في الانتخابات البلدية واستلامهم عدداً كبيراً من البلديات، النافذةَ التي تعرفوا فيها إلى العالم والواقع.

في اتصال الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، أشار بيان لمكتب رئيس الحكومة أن أوباما نوّه بالنموذج التركي الذي أتاح استمرار أردوغان في السلطة عبر انتخابات ديمقراطية وأن تركيا بلد قوي بقيمه الديمقراطية.

هنا إشارة سريعة إلى أن الولايات المتحدة كانت أكبر داعم لنظام الوصاية العسكرية في تركيا، وكانت وراء كل انقلابات الجيش العسكرية منذ العام 1960م حتى الإطاحة بنجم الدين أربكان في العام 1997م. وما دفاع أوباما عن النموذج التركي إلا نتيجة لفرض الشعب إرادته وبقوة لإيصال حزب يريد توسيع هوامش الحريات، وليس لأن أوباما أو من سبقه في الإدارة الأمريكية كان ساعياً ومشجعاً على إنهاء نظام الوصاية العسكرية.

وليس خافياً على أحد أن واشنطن كانت من أكبر حماة نظام زين العابدين بن علي في تونس. وإذا كانت واشنطن ذكية في تبني الانتفاضة الشعبية في تونس بعد انتصارها ومحاولة توجيهها كما تريد، فإنها تحاول تكرار السيناريو نفسه في مصر من خلال الإيحاء أنها تريد نظاماً ديمقراطياً، لكنها تعمل على استمرار النظام، وهنا تدخل اللعبة الأمريكية بإظهار النموذج التركي مثالاً لما يمكن أن تكون عليه مصر في المرحلة المقبلة.

وفي الواقع أنه رغم الاختلاف في الظروف والمسار التاريخي للنظام في تركيا بما هو شيء من العلمانية وشيء من الديمقراطية وشيء من الوصاية العسكرية والخارجية، فإنه لا يمكن استنساخ النموذج التركي الذي هو حالة خاصة إلا بما يمكن أن يكون عنواناً عاماً للتغيير من عناوين كثيرة موجودة في العديد من الحالات العالمية.

لكن إذا كان يمكن للنموذج التركي أن يكون بالفعل مثالاً للآخرين فهو أن تتاح للجماهير أن تعبّر عن نفسها بحرية، وفي اتجاهات تتيح العدالة، وفي الوقت نفسه تحمي هوية البلد الوطنية والقومية، وفي مقدمها استعادة دور مصر في الصراع العربي- "الإسرائيلي"، خصوصاً أنها أعطت للعرب في العصر الحديث أول إحساس بالعزة من خلال ثورة 23يوليو 1952م. تماما كما استعادت تركيا بإيصال حزب العدالة والتنمية عام 2002م إلى السلطة هويتها وتصالحت مع محيطها، وفي الوقت نفسه كانت تحمل مشروعها للتحديث والتغيير.

إن التغيير في اتجاه الحريات والديمقراطية هو الوجه الآخر من تجسيد الهوية والمصالحة مع الذات والتاريخ. ولا يمكن لأحدهما أن ينجح من دون الآخر. هذا ما أعطى تركيا دورها وحضورها الجديد، وهو ما يجب أن يكون في غيرها من الدول العربية، لتستعيد دورها التاريخي الأصيل وتبدأ عملياً مشروعها التحديثي.


المصدر: صحيفة "الخليج" الإماراتية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام