الخميس 01/08/1438 - الموافق 27/04/2017 آخر تحديث الساعة 07:56 م مكة المكرمة 05:56 م جرينتش  
مقالات
لا ينال عهدي الظالمين

لا ينال عهدي الظالمين

1432/03/07 الموافق 10/02/2011 - الساعة 02:24 م
|


لا يجوز أن يُمكّن للظالم في الأرض، فإن تمكن وغلب الناس، فلا أقل من عدم إعانته على الظلم، فضلاً أن نصبغ عليه الصبغة الشرعية بعدم جواز الخروج عليه؛ فمن قنن ظلمه بقانون مصطنع، أو كرّث فساده بدليل مُتأول فقد خان الأمة أيما خيانة، وساهم بشكل كبير في تغييب الشرع، وضياع الحقوق، وانتهاك الحرمات، ولطالما ضاعت أممٌ حينما تسلّط عليها جبارٌ عنيد سانده عالمٌ باع دينه بعرض من الدنيا .

***

في ظل هذه الأجواء التي نعيشها في مصر، وخروج ملايين الشباب إلى الميادين العامة يطالبون بالإصلاح، وتنحي الفاسدين عن سدة الحكم، خرجت فرقةٌ تنكرُ على هؤلاء الذين ينكرون، وقالوا بحرمةِ المظاهرات من جهة، وبحرمة الخروج على الحاكم الجائر من جهة أخرى، واستدلوا على رأيهم ذلك بطائفة من الأحاديث التي تنهى المسلمين عن الخروج على إمامهم، كحديث "مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ"(1). وحديث : "إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهْىَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ"(2). واستدلوا أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ" (3).

والحق أن الاستدلال بهذه النصوص في صد الشباب عن الخروج إلى ميدان التحرير من أفحش ما يكون الاستدلال، وليّ أعناق النصوص، وتكريث الوضع القائم من تغييب للشرع، والركون إلى الذين ظلموا، واتباع أمر كل جبار عنيد.

ويأتي فساد هذا القياس من وجوه:

أولاً: أنهم يخلطون بين الخروج المسلح على الحاكم المسلم وبين الإنكار عليه باللسان إذا خالف الشرع، وفي ذلك بوّب الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم  بابًا بعنوان: "باب وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ" وأورد حديث أم سلمة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ،  وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ،  وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ". قَالُوا أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: "لاَ مَا صَلَّوْا" (4).

فالنص أوجب الإنكار عليهم إذا خالفوا الشرع، وفي نفس الوقت حرّم الخروج المسلح عليهم ما أقاموا الصلاة.

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "لاَ مَا صَلَّوْا" يقتضي إقامتهم الصلاة فما دونها من أركان وفرائض، ومن هذا المنطلق أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية الخروج على التتار الذين زعموا الإسلام، وإلا لو أخذنا الحديث على ظاهره لاستطاع كلُ كافر أو ظالم أن يحكم المسلمين بالحديد والنار، ويبطل الشرائع، ويحارب الإسلام، ثم هو يخرج إلى الناس ويقول لهم إنه يصلي؛ فتأتي طائفةٌ محسوبة على أهل العلم تحرّم الخروج على هذا الحاكم، وبهذه الطريقة سيُعطل الشرع إلى الأبد، ويستطيع كل جبار عنيد أن يحكم المسلمين، وذلك لعمرو الله لظلمٌ وفسادٌ في الأرض عريض.

ومن هنا قال بعض أهل العلم إن مسألة الخروج على الحاكم الجائر؛ إنما تخضع للمصالح والمفاسد، فإذا كان الخروج فيه مصلحةٌ للأمة فثمة الخير، وإن كان فيه مفسدة فلا، والأمور بالمآلات.

 ثانيًا: أنهم يخلطون بين الخروج على الحاكم والخروج عن الجماعة، فالنصوص الواردة إنما ترمي إلى وحدة الصف، واجتماع كلمة المسلمين، ولذلك فإن جماهير أهل العلم ترى في عدم الخروج على الحاكم المتغلب إذا كان في ذلك اجتماع كلمة المسلمين، كذا في ولاية المفضول مع وجود الفاضل .

وقد كان هذا جليًا في منهج السلف والخلف في عدم خروجهم على الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم.

أما إذا صار الحاكمُ سببًا في شق صف الأمة؛ فإنه يجب قتاله قولاً واحدًا، وفي ذلك يقول النبي –: "إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" (5)، وقال: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ" (6).

ولا يخفى على كل ذي عقل أن الحكام الذين نصّبهم الغرب قادةً للأمة الإسلامية بعد الاحتلال؛ إنما هم حكامٌ لليحلولة دون إقامة دولة إسلامية واحدة، أو خلافة راشدة متحدة.. والدليل على ذلك أن هؤلاء الحكام إنما هم يحكمون حدودًا جغرافية رسمها لهم الغرب، والجميع يعلم قصة تقسيم الشام إلى عدة دوليات مكونة من الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، بل تقسيم المنطقة العربية كلها كان على إثر اتفاقية سايكس بيكو  (1917) التي اجتمعت فيها الدول الغربية الكبرى على ضرورة تقسيم الأراضي الإسلامية بعد إسقاط الخلافة العثمانية بحيث لا تجتمع للمسلمين كلمة، وتختفي الخلافة الإسلامية إلى الأبد، تلك الخلافة التي لطالما أذلتهم، وأذعنوا لها.

ثم إن بعض البلدان على حدتها رأينا فيها بعض حكامها خطرًا على وحدة شعبها، فمن هؤلاء الحكام من جعل أهلها شيعًا، يستضعف طائفةً منهم، ويصطنع الفتن بين المسلمين والنصارى، أو بين الجماعات الإسلامية وبعضها، وقد رأينا بأم العين كيف تقوم الجهات الأمنية بنشر الفتنة بين الإخوان والسلفيين في مصر، بل كانوا يزعمون أن ثمة جواسيس داخل الجماعة الواحدة نفسها زرعتها القوات الأمنية، كل هذا من أجل زعزعة الجميع، ونشر الريبة في النفوس، ونفث سموم الحقد والعدواة البغضاء بين المسلمين، وكل هذا يساعد هؤلاء الحكام على إحكام القبضة على الجميع، على طريقة فرق تسد.

ثالثًا: أن هؤلاء الذين يحرّمون الخروج على الحاكم الجائر إنما يخلطون بين الحاكم المسلم الجائر، والحاكم المسلم الذي نصّبه الكفار. ففي الأول الخلاف المشهور، وإن كنا نرى الخروج عليه يخضع للمآلات، أما الثاني فلا خلاف على وجوب الخروج عليه، وذلك لسبب وجيه أنه يمثل سلطان الكافرين على المسلمين، {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (النساء: 141).

رابعًا: النصوص الواردة في الخروج على الحاكم، منها ما يُحرّم الخروج، ومنها ما يُوجب الخروج، فأما التي تُحرّم فهي التي تتعلق بالإمام العادل الذي انعقدت له بيعة، أو الحاكم المسلم عمومًا وإن جار، وأما النصوص التي تُوجب الخروج فهي تتعلق بأئمة الكفر أو أئمة الضلالة، فأما أئمة الكفر فقال الله فيهم : {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} (التوبة: 12)، ولا خلاف في وجوب خلع الحاكم الكافر، أو الحاكم الذي نصبه الكفار على المسلمين.

 وأما أئمة الضلالة فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "مَا مِنْ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِى أُمَّةٍ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُون، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (7).

قال ابن رجب : "وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد" (8). قلتُ: أي هذا الصنف منهم.

خامسًا: الذي يُحرّم الخروج على أئمة الجور – هكذا على سبيل الإطلاق، وخصوصًا من زعم الإجماع– يلزمه أن ينكر على الصحابة وكبار التابعين، وأن يشرح لنا موقفهم في الخروج – والذي زعم الإجماع يلزمه أن يكفّر هؤلاء – أو أن ينكر على الحسين بن علي وأصحابه صنيعهم في الخروج على يزيد، كذا خروج ابن الأشعث، ومن معه من كبار التّابعين على الحجّاج بن يوسف. وقد ذكر الإمام الجصاص أن كبار التابعين قد قاتلوا الحجاج بالسيف، فقال: "وقد كان الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة، لا على أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم في أيدي قوم فجرة، وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم وقد ضربوا وجه الحجاج بالسيف وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين، وفقهاؤهم فقاتلوه مع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز، ثم بالبصرة، ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة، وهم خالعون لعبدالملك بن مروان لاعنون لهم متبرئون منهم وكذلك كان سبيل من قبلهم مع معاوية حين تغلب على الأمر بعد قتل علي عليه السلام " (9).

وصنيع كبار التابعين وهم يعلمون أنهم خرجوا على الحاكم المسلم الجائر مع علمهم بالنصوص الواردة في حرمة الخروج على الأئمة، يدلك أنهم فهموا مسألة الخروج على أساس أنها خاضعة للمصالح والمفاسد، وهو ما يسميه بعض أهل العلم بمذهب السلف القديم في مسألة الخروج، فقد قال بعض أهل العلم – إشارة إلى صنيع كبار التابعين - : أن جواز الخروج على الحكام الجائرين مذهبٌ قديم للسلف، كما ذكر ابن حجر (10) .

وبه قال غير واحد من الأئمة، قال الإمام الجويني في مسألة الإمام إذا فسق، " فأمّا إذا تواصل منه [ أي الحاكم] العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السّداد، وتعطّلت الحقوق، وارتفعت الصّيانة، ووضحت الخيانة؛ فلا بدّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإن أمكن كفّ يده وتولية غيره بالصّفات المعتبرة، فالبدار البدار، وإن لم يكن ذلك لاستظهاره بالشّوكة إلا بإراقة الدّماء، ومصادمة الأهوال؛ فالوجه أن يقاس ما النّاس مدفوعون إليه ومبتلون به بما يفرض وقوعه، فإن كان النّاجز الواقع أكثر مما يتوقع؛ فيجب احتمال المتوقّع، وإلا فلا يسوغ التّشاغل بالدّفع، بل يتعيّن الصّبر والابتهال إلى الله تعالى" (11).

أحسب أن كلمة الإمام الجويني قد لخصّت ما أسلفناه، ووضحت ما أوردناه.

فلم يبق مقالٌ لكل ذي علم أن يتشدق بالنصوص في غير موضعها، فيهلك الحرث والنسل بقال الله وقال الرسول . والله ورسوله بريئان ممن أعان أحدًا على قتل مظلوم ولو ببنت شفة، ولو كانت تلك البنتُ آيةً في غير موضعها أو حديثًا في غير مقصده، ولو كانت تلك الشفةُ شفةَ عالم من العلماء.


(1) أخرجه مسلم (4899).

 (2) أخرجه مسلم (4902).

(3) أخرجه مسلم (4904).

(4) أخرجه مسلم (4906).

(5) أخرجه مسلم (4905 ).

(6) أخرجه مسلم (4905).

(7) أخرجه مسلم (188).

(8) جامع العلوم والحكم (322).

(9) أحكام القرآن للجصاص  (ج 1 / ص 88).

(10) قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن صالح بن حي رحمه الله : "وقولهم : كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه" [تهذيب التهذيب - (ج 2 / ص 250) ].

(11) الغياثي ، ص 105.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
فاطمة        المملكة السعودية         2011/12/02
يسلمون يديك لكن اسمح لي في اول صفحة ومقالة انني بقول لشعب مصر مبرووووووووووووووك عليك رفع الظلم ،ومباركه خاصة للكاتبة الفاضلة اكرام
ghadet el eslam        مصر         2011/10/02
بارك الله فيك شيخى واطال عمرك واحسن عملك اللهم انا ضعفاء وانت القوى فانصرنا على القوم الظالمين وولى عليا اصلحنا ولاتكلنا الى الطغاه والظالمين يارب انا نتوب اليك من كل الذنوب والمعاصى التى تحول بين دعائنا وبين اجابتك لدعائنا ونقر باننا مقصرون ولكنك انت الله الاجود الاكرم وانت ارحم بنا من انفسنا فثبت قلوبنا على الايمان وانصرنا بفضلك وكرمك لا باعملنا يارب العالمين
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام