الجمعة 26/11/1438 - الموافق 18/08/2017 آخر تحديث الساعة 06:07 ص مكة المكرمة 04:07 ص جرينتش  
تقارير
ثورة مصر.. قراءة ومشاهدات

ثورة مصر.. قراءة ومشاهدات

1432/03/12 الموافق 15/02/2011 - الساعة 12:00 ص
|


ليس سهلا على أي أحد ممن شاركوا في مظاهرات واحتجاجات ثورة مصر التي كانت بؤرتها في ميدان التحرير بقلب العاصمة المصرية القاهرة أن يرصد كل تفاصيل المشهد الذي امتلأ بالعديد والعديد من الصور والفاعليات والمشاهدات التي كشفت عن مدى قدرة هذا الشعب العظيم في أن يعبر عن مواقفه وأراءه بأشكال متنوعة ومختلفة وبسيطة وعميقة في آن واحد  إلى الدرجة التي تشعر الراصدين أن هؤلاء ليسوا مجرد أفراد عاديين، لكنهم ممن حصلوا على دورات متخصصة تؤهلهم ككوادر سياسية تعرف ماذا تفعل وكيف تفعل.

وفي اعتقادي أن أهم ما يمكن أن يخرج به المشاهد أن هؤلاء الموجودين في دولة ميدان التحرير ليسوا هم المصريين الذين تحدثت الكثير من الكتابات والدراسات عن تبدلهم في السنوات الأخيرة وأنهم أضحوا على غير ما عرف عن الشعب المصري طوال تاريخه الممتد لسبعة آلاف سنة .. إذ يتأكد المشاهد أن المصريين عادوا لما كانوا عليه؛ شعب جاد وصبور يحترم إرادته ويثق بقدرته ويتحلي بأخلاقيات الشرفاء والثوار.

وأراني مدفوعا إلى مناشدة كل الدارسين والباحثين في مجال علم الأخلاق ليدرسوا تلك الثورة المصرية العظيمة وكيف أن القهر الذي تعرض له الشعب المصري طيلة عقود طويلة كان السبب الرئيس في غياب الكثير من القيم الجميلة التي طالما هفت إليها جموع المصريين إلا أن قيم الأنانية والسلطوية التي حكمتهم واستبدت بهم كان لها تأثيرها السلبي لكن وبعد أن انتفض المصريون سرعان ما عادت إليهم أخلاقهم السوية الرفيعة.

الأمن البديل

إذا ما توجهت إلي ميدان التحرير وعلى أبوابه البشرية التي صنعها المتطوعون من شباب مصر تسمع آذانك كلمات الترحيب أهلا بالثوار ثم تسمع بعد فترة شاب آخر ينادى القادمين بكل أدب واحترام برجاء إظهار البطاقات "الهويات الشخصية" لتجد الناس جميعا وهم مبتسمون فرحون يظهرون هوياتهم وقد اقتربوا من لجان الأمن الشعبي التي تشكلت من شباب صغار السن ليقوموا بتفتيش القادمين دون ضيق أو ضجر منهم بل إن الكثيرين كانوا يعربون عن فرحتهم لهذا التفتيش الذي يضمن لهم وللجميع الأمن والاطمئنان.

لأول مرة في حياتي أرى الناس فرحة خلال تفتيشهم ولأول مرة في حياتي أرى من يبتسم خلال التفتيش وينطق بكلمات الشكر والترحيب لمن يفتشوهم.. فهل كان يصعب على الأمن المصري قبل الثورة أن يفعل ذلك؟

بمجرد أن تنتهي من التفتيش وبعد أمتار بسيطة تلتقيك لجنة آخرى لتجد نفس عبارات الترحيب ونفس مطالب إظهار الهوية وهكذا تمر على أربعة لجان أو خمسة من التفتيش وإظهار الهوية إذ لو حاول أي من مثيري الشغب أن يمر لا يستطيع فلو أفلح من المرور من إحدى اللجان فشل في اختراق الأخرى بل إنه إذا رغب في العودة لا يستطيع فممر الدخول بخلاف ممر الخروج وبالتالي فإنه شرطا إذا اجتاز شخص ما لجنة فعليه أن يستكمل اجتيازه لبقية اللجان ما يعرضه للكشف الحتمي.

السعادة التلقائية

تفصل بين التجمعات المحتشدة وكردونات الأمن نحو خمسين مترا تشاهد خلالها الكثير ممن رفعوا اللافتات وعبروا عن أراءهم بعيدا عن الحشود وما أن تقترب حتى تسمع أصوات الملايين الذين تجمعوا ككتل بشرية لو رميت فوق رؤسهم دبوسا صغيرا ما سقط على الأرض في تلاحم شعبي ربما لا يتيسر رؤيته في مشهد آخر إلا لمن قدر له أن يحج بيت الله الحرام.

لا يمكن أن يتمالك أي قادم حين رؤية هذا المشهد ويسمع تلك الأصوات إلا أن يقبل مسرعا لينضم إليه غير متحكما في دموع عينيه أو في لسانه الذي حتما سينطق بما ينطق به المحتشدون من هتافات وتهليل وتكبير وهي جميعها تتركز حول حب مصر والاستعداد للتضحية من أجل مستقبل مشرق من الحرية والعدالة.

رايت بأم عيني كبارا في السن وشبابا صغار ونساء عجزة يجروا جميعا رافعين العلم المصري ودموعهم على خدودهم يهتفون بعلو صوتهم: تحيا مصر تحيا االثورة يسقط مبارك.

كل الألوان

بالفعل كان شباب الفيس بوك أو شباب 25 يناير هم الشرارة الأولى التي أشعلت ثورة النصر لكن لا يعني ذلك أن الثورة ظلت حكرا على هؤلاء فما أن تكون في قلب ميدان التحرير حتى ترى كل الطوائف السياسية والدينية وكل الفئات العمرية من رجال ونساء في تناغم ليس له مثيل يجمعهم شئ واحد هو التطلع لنجاح ثورتهم لتصبح الثورة منذ اليوم الأول هي ثورة شعب مصر.

الجميع في حالة تفاعل لا تهدأ إما أنهم يهتفون أو ينشدون الأناشيد الوطنية أو يقولون الشعر الحماسي والهجائي أو يتسامرون أو يخطبون أو يسمعون لما يقال إذ الساحة ساحة الثورة وليس السكوت أو الاستكانة فمن أراد النوم فليذهب حيث النوم.

ما أن تكون بين المتظاهرين حتى تكتشف أن هناك مجموعات كبيرة يتجاوز عدد كل مجموعة عشرات ألآلاف يلتفون حول منصة واحدة أو ما أطلقوا عليه إذاعة داخلية بعد أن أقاموا خشبة مسرح صغير وضعت عليها مكبرات الصوت ووقف عليها بعض من النشطاء والشعراء والمنشدون و"الهتيفة" يلقي كل شخص ما يحلو له وسط ترديد من الجماهير وتصفيق حاد من الجميع.

تجد الإسلاميين والليبراليين واليساريين والناصريين والمستقلين وأبناء الوطن الذي ليس لهم انتماء سياسي الجميع يشد من أزر الجميع فقد سقطت كل الحواجز ولم يبق إلا حب الوطن والدفاع عن كرامته.

عودة القيم

سرت في السنوات الأخيرة حالة من الرعب والخوف لدى الكثير من العائلات المصرية على فتياتهم بعد أن تعرضت العديد من الفتيات للتحرش الجنسي عيانا بيانا في شوارع القاهرة وهي الظاهرة التي استفزت الكثيرين فكتبوا عنها محذرين من خطورة الوضع وأن الانهيار القيمي أصبح متفشيا في الشارع المصري بما ينذر بوقوع كارثة.

اليوم وخلال ثورة مصر العظيمة ثبت الجميع تلك الأكذوبة التي طالما حاول النظام السياسي المصري أن يروجها بين الشعب المصري ليلهيم عن حلم التغيير ويشغلهم بالحديث عن قضايا وهمية لا أساس لها .. اليوم الفتيات يملأن دولة ميدان التحرير ولم تشتك واحدة منهن بأنها تعرضت للتحرش أو المضايقة من أي شاب مهما كان انتماءه الطبقي أو الجغرافي.

بل إن فتيات كثيرات كن يمتدحن الجهد الذي يبذله الشباب في توفير أسباب الراحة لهن وحماية خيامهن وإعطاءهن الأغطية التي تلفحن بها في نومهن.

كثير من الفتيات ارتدين القفازات ليقمن بدورهن في تنظيف شوارع دولة ميدان التحرير وجمع القمامة من هنا ومن هناك دون خجل أو تصنع الانتماء لطبقة عالية.

عاد المصريون لطيبتهم وطبيعتهم الجميلة الراقية فما تسمع احتدام في خلاف بين اثنين بعدما كان الجميع يتصنع الخلاف ليرفع صوته مع الطرف الآخر وكأن ذلك لم يكن إلا محاولة للتنفيس عن القهر الذي يعانونه.

الجميع سواء

ساوت الثورة بين الجميع فلم يعد شخص أفضل من شخص ولم يعد الصوت العالي لأحد دون غيره فللكل أن ينطق بما يريد وأن يعبر عما يريد لا تجد شبرا واحدا يخلو من لافته أو شعار كتبه صاحبه على الأرض إذا عدم الورق أو القماش بل إن الخيام التي نصبها الثوار لم تسلم من الكتابة عليها أو تعليق اللافتات التي تضمنت كل منها عبارات الانتقاد أو سرد المطالب.

رسامو الكاريكتير أقاموا معارضهم على أحبال واصلة بين عمدان النور فالتف حولها العشرات يقرأون ويضحكون ضحكات صافية تخرج من القلب.

أطفال رفعوهم أباءهم على أكتافهم يحملون العلم المصري وقد كتبت على جبهاهم كلمات الحرية والعدالة والأمل الجديد.

حتى أولئك الذين فقدوا القدرة على المشئ من العجزة ومبتوري الأقدام جعلوا من كراسيهم خطبا متحركة تحكي الحلم المصري.

الجميع يشارك بلا تردد وبحسب قدراته في أن يصنع للثورة ما يؤجج استعارها وأن يرد على المرجفين والخائنين شبهاتهم حتى أنني رأيت بعض الأطباء الذين يرتدون بلاطيهم يمسكون بالمقاشات يكنسون بها العيادات المتنقلة حفاظا على نظافتها.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

التعليقات
ال عبد التواب        ميدان التحرير^_^         2011/16/02
موضوع من الاخر والله وذي الفل ومشيق وذات قيمه مثل صاحب الموضوع
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام