الأحد 04/08/1438 - الموافق 30/04/2017 آخر تحديث الساعة 05:51 م مكة المكرمة 03:51 م جرينتش  
صحف
بين الجماهير و"الجماهيرية"

بين الجماهير و"الجماهيرية"

1432/03/17 الموافق 20/02/2011 - الساعة 05:57 م
|


السلطات الليبية لم تكن تمزح أو تزايد قبل أيام، حين اتّهمت المتظاهرين بأنهم "خونة" و"مجرد أوراق خريف متساقطة".

لا بل بدا من الخطاب الإعلامي المشتعل الذي أطلقته السلطات، أنها تشعر بأنها طعنت من الخلف، وأن الشعب الذي أرادت له أن يكون هو كل السلطة، ها هو يدير ظهره بنفسه لهذه السلطة نفسها.

طرابلس الرسمية ظنّت حتى ماقبل الانتفاضة الأخيرة أنها حوّلت ليبيا إلى نموذج عالمي لـ"ديمقراطية جماهيرية" لم يسبق لها مثيل في التاريخ . ولذا، فإن فجيعتها تبدو حقيقية وكاملة وترقى (بالنسبة إليها على الأقل) إلى مستوى المأساة الإغريقية الكاملة . فإذا كان النظام المصري السابق بقي حتى اللحظة الأخيرة غير مصدّق أن شعبه بكل تراثه العريق، قادر على صنع الثورات الشعبية، فإن النظام الليبي "لايستطيع" أن يصدّق بأن الشعب الليبي يمكن أن يصنع ثورة ضده.

لماذا؟ لأن هذا يعني (ومرة أخرى بالنسبة إلى طرابلس الرسمية)، ثورة الشعب ضد نفسه وعلى نفسه. والكتاب الأخضر بمجلداته الثلاثة الصغيرة، شاهد على ذلك، إذ إن المجلد الأول قدّم "حلاً نهائياً" لمسألة السلطة السياسية والديمقراطية، حين نقل كل الحكم التشريعي والتنفيذي إلى اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية، في إطار ديمقراطية مباشرة تحاكي تلك التي كان يحلم بها الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو والحركة الفوضوية الاشتراكية الأوروبية. والمجلد الثاني وفّر "حلاً نهائياً" آخر للمشكلة الاقتصادية حين اعتبر أن الشخص لايكون حراً إذا لم يكن مسيطراً على ما يحتاج إليه، فيمتلك سيارة ومنزلاً ودخلاً ثابتاً. والمجلد الثالث تضمن النظرية العالمية الثالثة التي جعلت الشعب الليبي الصغير (6 ملايين نسمة موزعين على مليون و800 ألف كيلومتر مربع)، قائد 6 مليارات بشري نحو الحل الجماهيري النهائي.

طرابلس الرسمية تتساءل الآن على الأرجح: هل يمكن لشعبي الذي جعلته عظيماً في إطار "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"، أن يتخلى عن كل هذه المكاسب العظيمة؟

حسناً، المشكلة أن الشعب لايريد بالفعل هذه المكاسب لأنه أصلاً لا يعدها مكاسب، ويشعر وكأن السلطة الجماهيرية موجودة في كوكب آخر أقرب إلى المريخ منه إلى الأرض.

فمركز "فريدام هاوس" (بيت الحرية)، صنّف ليبيا على أنها أكثر الأنظمة العربية استبداداً وسلطوية وأقلها حرية. والمؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن نسبة البطالة بين الشباب (الذين يشكّلون نحو 60 في المئة من الشعب)، تبلغ 30 في المئة، وأن 8 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر في دولة تعج بالثروات النفطية . والأخطر، أن النظام مارس التمييز في التنمية بين مقاطعات ليبيا الرئيسة الثلاث طرابلس وبرقة وفزان.

هذه النقطة الأخيرة، أي التمييز، قد تكون الأخطر الآن، إذ يجب ألا ننسى هنا أن ليبيا في الأربعينات لم تكن موحدّة بل كانت مقاطعاتها الثلاث تحت سيطرة إيطالية وفرنسية وبريطانية. وحتى حين توحّدت البلاد في العام 1951م فهي فعلت ذلك في إطار نظام فيدرالي تمتعت فيه هذه المقاطعات بسلطات لامركزية واسعة تحت اسم "المملكة الليبية المتحدة" بقيادة إدريس السنوسي.

ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أنه ما لم يتوافر مخرج دستوري ديمقراطي سريع من أزمة البلاد، فإن ليبيا قد لا تبقى كما هي، وحينها، ستتساقط أوراق الخريف بالفعل.


المصدر: صحيفة "الخليج" الإماراتية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام