الجمعة 26/11/1438 - الموافق 18/08/2017 آخر تحديث الساعة 06:06 ص مكة المكرمة 04:06 ص جرينتش  
صحف
القذافي يكرر مناورة صدّام

القذافي يكرر مناورة صدّام

1432/03/27 الموافق 02/03/2011 - الساعة 06:07 م
|


قد لا تكون نكتة القذافي عن حب الشعب الليبي له والمستعد للموت من أجله، والتي أطلقها الإثنين 28-2-2011م من على شاشة شبكة تلفزيونية أمريكية، آخر نكاته. فالأخ العقيد لا تخلو جعبته من مناورات وحيل، طالما استخدمها طوال أعوام حكمه منذ 1969م، من اجل البقاء أطول مدة ممكنة قائداً لـ"جماهريته العظمى". لكن نكاته الأخيرة قد تكون أكثر مأسوية من رأيه في شعب بلاده.

يُمكن أن يُقال الكثير عن دموية القذافي واستبداده وانقطاعه عن العالم، خصوصا عن الشعب الليبي وتطلعاته، لكن الرجل مناور من الطراز الأول وحاذق في التمويه. وهذه الصفة أتاحت له حكم ليبيا على النحو المعروف أكثر من 40 عاما. وهو لن يتردد في اللجوء إليها مع ازدياد الخناق الداخلي والدولي عليه. كما لن يتردد في استخدام كل ما لديه من إمكانات، حتى لو كانت تقل يوماً بعد يوم، من أجل الاستمرار، من غير أدنى اهتمام بما يمكن أن تكون عليه ليبيا يوم رحيله.

من المستبعد أن ينجح مع القذافي الأسلوب الذي استُخدم في تونس ومصر لإجبار رئيسيهما على المغادرة. نظراً إلى الاختلاف الفعلي لتركيب السلطة بين كل من تونس ومصر وبين ليبيا.

في تونس ومصر يشكل الجيش عماد السلطة، ومصدر قوة الرئيس. ولأسباب تتعلق بتقديرات قيادة الجيش في البلدين وطبيعة علاقة كل منهما مع الولايات المتحدة، سحب الجيش تأييده للرئيس ودعاه إلى المغادرة، من أجل تفادي الانخراط في عمليات عنف ضد الشعب وإنقاذ مرحلة مقبلة يحفظ فيها دوره.

أما في ليبيا، فقد عمد القذافي، عبر مناورة انتهازية وعملية تمويه واسعة، إلى تقزيم الجيش الذي يعتبره مصدر الخطر على حكمه. واخترع نظرية الشعب المسلح، ليكوّن لجاناً شعبية وأمنية، لحماية حكمه. وفي الأزمة الحالية، قطف القذافي ثمار هذه المناورة، إذ ليست هناك من قوة فاعلة في محيطه المباشر تفرض عليه المغادرة لإنقاذ البلاد.

صحيح أنه فقد سلطته سريعاً في غالبية مناطق البلاد، لكنه يتحصن في طرابلس مع أعوانه الخُلص الذين ارتبطوا به مصيرياً، سواء لدوافع عائلية وقبلية أو لتورطهم معه في الجرائم التي ارتكبت ضد الليبيين.

وعندما يتحدث القذافي عن القتال من أجل البقاء فانه يعرف أنه لن يغادر إلا في عملية عسكرية تستهدف حصنه الأخير.

وفي حساباته، أن ثمة صعوبة أمام معارضيه لتنفيذ سريع لمثل هذه العملية، نظراً إلى ما تتطلبه من إمكانات وتنظيم تبدو غير متوافرة حتى الآن. فهو يعرف أن انحسار سلطته عن غالبية المناطق جاءت سلماً ونتيجة انضمام شعبي إلى الحركة المناهضة له، وليس نتيجة عمليات عسكرية. ولذلك نشر في طرابلس كتائبه الأمنية لمنع أي تحرك شعبي فيها، وأيضا لتحصينها استعداداً للعملية العسكرية.

يراقب القذافي المواقف الدولية، ويدرك أن ثمة خطاً تصاعدياً فيها، يبدأ بالعقوبات واللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبدء إرسال مواد إغاثة وتحريك قوات. وفي تمسكه بالبقاء يستثير عملية عسكرية خارجية، قد يعتقد أنها وحدها قادرة على إرغامه على الرحيل.

وربما هذه المواجهة مع قوات أجنبية في طرابلس هي ما يسعى إليه القذافي ليستعيد صورة البطل الذي يواجه غزواً أجنبياً. ألم يفعل ذلك صدام حسين عندما اعتبر أن الغزو الأمريكي لبلاده سيعيد وهجه الذي فقده بانفضاض كل فئات الشعب العراقي عنه؟ وكانت النتيجة انه استقدم الغزو بدل أن يقدم تنازلات لشعبه ويغادر السلطة، والبقية معروفة.

وكما فشل صدام حسين في هذه المناورة، وجر ويلات إضافية إلى بلده والشعب العراقي، لن يكون مصير تلك التي يعتمدها القذافي مغايراً. لكن بقاء الأخ القائد أياماً إضافية في الحكم يستحق، في عرفه، إحراق ليبيا وتدمير ما بقي منها.


المصدر: صحيفة" الحياة" اللندنية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام