الأربعاء 24/11/1438 - الموافق 16/08/2017 آخر تحديث الساعة 10:36 م مكة المكرمة 08:36 م جرينتش  
صحف
مطلوب إنقاذ الثورة الليبية

مطلوب إنقاذ الثورة الليبية

1432/04/03 الموافق 08/03/2011 - الساعة 12:00 ص
|


فيما تنجز الثورة العربية في تونس ومصر أهدافها المرحلية الواعدة، لا يزال ثوار ليبيا يتصدون لما تبقّى من نظام تتجاوز شراسة استبداده كل المعايير الثأرية، ما يفسر حالة الإنكار التي ميزت السلوك اللاعقلاني واللامعقول لمعمر القذافي، وهو ما أدى إلى ما يمكن اختزاله بأن يبقى مستأثراً بالتحكم لا مجرد الحكم بمعنى إما الرضوخ له أو اعتماده القتل. هذا بدوره يفسر إصرار الثوار على الإنجاز في مقابل غياب الوجدان وانفلات التعامل من دون الضوابط التي سادت الاختراق في كل من تونس ومصر وأدى إلى إقالة كل من الرئيسين السابقين ونظاميهما بكلفة يمكن إدراجها في إطار الثورات اللاعنفية.

يستتبع بالضرورة تعريف الثورة بكونها تمكين عملية التطور الطبيعي لاستئناف دورها بما يصطدم مع نظم شمولية مستبدة وطاغية، وبالتالي عودة التطور إلى مساره في توسيع مساحة حقوق الإنسان وفي تلبية حاجاته في إنجاز الضمانات لكرامة لا كحالة فحسب، بل كفعل في خضم المتغيرات التي من شأنها استمرار توسيع فرص ما توفره الإنجازات المتواصلة التي يستولدها بشكل متواصل في حقول العلوم والمعلومات والاختراعات في مجالات الصحة والثقافة والتعليم، وما توفره السياسة التي تعتمد على حق المساءلة والمساواة وتمكين المواطن من المشاركة في إبداء الرأي وصناعة القرار كحق وليس كمنّة .

من هنا فالتطور يكون حالة مستمرة، لكن طالما تم ردعه من خلال نظم قامعة، فإن الثورة تصبح آلة الاختراق لعودة سلامة مسيرة التطور طبيعية.

* * *

نشير إلى هذه المعادلة كون ضمان سلامة التطور يكمن في الثورة المستمرة، هذا ما يفسر حالة الاغتباط السائدة عند الشعب العربي جراء ثورتي تونس ومصر، كونهما مهّدتا لاستئناف مسيرة عودة الكرامة للوطن وللمواطن بما يشكل إلهاماً لحركات التغيير المتنامية في أرجاء الأمة.

أما في ليبيا فنجد أن ما يقوم به ثوارها فريد من نوعه، لأن الدكتاتور نفسه يتصرف وكأن مجابهة نظامه في ليبيا بنظره عملية غزو يجوز سحقها، لذا تبقى هناك ضرورة ملحّة في احتضان ومساعدة ثورة ليبيا ضد وضع شديد الغرابة، ما يجعل إنهاء الحالة المرضية التي تعانيها ليبيا مسؤولية مباشرة لثورتي تونس ومصر، حماية لشعب ليبيا وتوفيراً لمزيد من المناعة للإنجازات المتواصلة التي تتجلى في المرحلة الانتقالية باتجاه استقامة وصيرورة الأهداف البعيدة المدى التي التهمتها ثورتا تونس ومصر، ما يفسر الشعور الرائع بالمسؤولية التي ميّزت سلوك المجتمعات المدنية والحكومات الانتقالية في كل من تونس ومصر في التعامل الإنساني مع تدفق مئات الألوف الذين لجأوا إلى الحدود، برغم الانهماك المضني في إزالة ما أورثه النظامان السابقان من عوائق وإشكاليات معقّدة . كما أن ثورتي مصر وتونس اعتبرتا أن مسؤولية تسريع الإنجاز لثورة ليبيا يسقط خيار تحريف مسار ثورة التغيير في الأمة العربية عن مسارها، وهو ما يسعى ما تبقى من نظام القذافي إلى تحقيقه . لذا صار لزاماً أن نعمل جميعاً على حض المجتمع الدولي لممارسة مسؤولياته تجاه شعب ليبيا، وتجاه الشرعية التي رسخها مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.

* * *

نشير إلى الحاجة الملحة لترجمة عملية وسريعة وفورية لذلك في خضم استمرار القتال وسقوط ضحايا متناثرة، حيث يستعمل النظام المتهاوي كل أنواع الأسلحة والطيران الحربي، والاعتداءات العشوائية على الشعب الآمن، إضافة إلى الإمعان بالتهديدات التي يتفاقم كلما تم تحرير المزيد من المدن القريبة من العاصمة والتي من شأنها أن تؤدي إلى مذابح جماعية، ما يتطلب فرضاً فورياً لحظر المجال الجوي وتسريع المساعدات الإنسانية، إضافة إلى الإجراءات العقابية التي اتخذت.

صحيح عندما يسود انطباع بأن "المجتمع الدولي"، يعني الغرب وخاصة الولايات المتحدة، عندئذ تتراكم الهواجس ويسود انطباع بأن فرض الحظر الجوي على كردستان العراق كان استعداداً لتدخل أمريكي، لكن فرض مثل هكذا إجراء يكون إضافة إلى مزيد من الحماية ورد العدوان عن الشعب الليبي، من خلال تنفيذ أحد البنود الرئيسة لقرار مجلس الأمن، وهو قرار دولي وليس بقرار غربي أو أمريكي . هذا يعني أن تنفيذ القرار هو دولي وإجماعي، حتى ولو كانت عناصره من دول غربية أو أمريكية نظراً لمشاركة المقتدرين.

القرار الذي اتخذه مجلس الأمن بالإجماع ينطوي على أن تنفيذه يستند إلى إرادة جماعية، حتى لو كان من يقوم بالإجراءات اللازمة دولة أو مجموعة دول، وبالتالي من يقرر الحاجة الملحة بمعنى عدم التأخير. لذا هذا الإجراء هو تصميم إجماع دولي للحيلولة دون تفرد النظام المتهاوي بارتكاب المزيد من الجرائم ضد الإنسانية وضد شعبه، ثم إذا كان من قدرة لدى أعضاء الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي المشاركة، أو حتى المبادرة في هذا الشأن، فهذا ليس مجرد حق لدولهم بل هو واجب.

صحيح أن الدول التي تتوفر لديها القدرات التي تستطيع التجاوب الفوري لفرض الحظر الجوي هي دول غربية (فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، بريطانيا، الولايات المتحدة)، فهذا لا يعني أن دولاً أخرى تشارك في تنفيذ الحظر أو أية إجراءات تسرّع في الحؤول دون مزيد من الضحايا، فهذا هو جوهر معنى القرار، كون مسؤولية تنفيذه هي مسؤولية كل الدول الأعضاء، وإن بنسب متفاوتة.

كل الدلائل والتطورات وحتى التوجه السليم الذي يلبي مطالب شرعية الثورة في ما يتعلق بخطوات الفترة الانتقالية المعبّرة عن مسيرة التطور التي انبثقت عن الثورة، تؤكد أن وضوح الرؤية لمستقبل العمل والتي تمثل بإسناد رئاسة الحكومتين الانتقاليتين إلى شخصيتين، إحداهما أسهمت في ثورة ساحة التحرير، والثانية كانت في طليعة مساندي الثورة التونسية.

إن الثورة في كل من تونس ومصر أنجزت خطوات جبّارة مضيئة استولدت احتراماً، إضافة إلى الإعجاب.

بدورها، فإن ثورتي تونس ومصر تستعيدان للعرب مرجعيتهم كمسؤولين عن فلسطين كون المشروع الصهيوني لا يجابه إلا بمشروع قومي عربي تغييري. في نهاية الأمر تبقى الإنجازات التي تحققت في تونس ومصر، وقريباً جداً في ليبيا، والحراك المطالب بالتغيير والحكم الرشيد هي الواقع الجديد، ما يقلل من بقاء "إسرائيل" منفلتة من العقاب وبمنأى عن أية مساءلة، ناهيك عن المعاقبة، لذا فإن عودة مصر إلى دورها المرجعي الملهم سوف يغير بشكل جذري معنى الواقعية وإخراجنا من الوقيعة التي بدورها كادت تجهض حقوق فلسطين الوطنية والإنسانية.

الأهم الآن وفوراً وقف النزيف في ليبيا وفلسطين. الثورة العربية الآن مهيأة لاستئناف مسيرة التطور في كل أرجاء الوطن العربي الكبير، كون وحدة الشعب العربي هي الضمان لاستعادة نجاعة البوصلة، ولنا في ثورتي مصر وتونس المرجعية الموثوقة بعد أن كانت مفقودة.


المصدر: صحيفة "الخليج" الإماراتية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام