الاثنين 02/10/1438 - الموافق 26/06/2017 آخر تحديث الساعة 09:57 ص مكة المكرمة 07:57 ص جرينتش  
أنشطة المشرف
تعليق د. عبد العزيز الفوزان على الأحداث في ليبيا

تعليق د. عبد العزيز الفوزان على الأحداث في ليبيا

1432/04/05 الموافق 10/03/2011 - الساعة 12:00 ص
|


أكد فضيلة الشيخ د.عبد العزيز بن فوزان الفوزان أن الثورة في ليبيا ثورة مباركة لإزالة الباطل الذي جثم على صدور أبناء الشعب الليبي على مدى أكثر من 4 عقود، وشدد على وجوب وقوف جميع المسلمين حول العالم إلى جانب إخوانهم الثوار في ليبيا.
ودعا  الثائرين في ليبيا  إلى الصبر حتى زوال هذا الطاغية، وبشَّرهم - في حلقة من برنامج "فتوى" - أُُذيعت على قناة "دليل" الفضائية مؤخراً - بأنهم مجاهدون في سبيل الله، وأنهم على حق  وخير عظيم، وأنهم منصورون - بإذن الله -.
ووجه فضيلته كلمة إلى من أسماهم بـ"المترددين من أهلنا في ليبيا، أو الذين يزعمون أنهم يقفون على الحياد"، حثهم فيها على أن يضعوا أيديهم بأيدي إخوانهم الثائرين، وأن تتحد كلمتهم على محاربة هذا الطاغية المجرم.
ودعا أبناء الشعب الليبي - عموما - إلى أن يعدوا العدة لمرحلة ما بعد زوال هذا الطاغية، وأن يؤمِّنوا حدود وطنهم من الأطماع العالمية التي تتحرك باسم نصرة الشعب الليبي وهم  - في واقع الأمر - لا يتحركون إلا بدافع مصالحهم ويريدون أن تبقى الدول الإسلامية ضعيفة واهنة بحيث تظل تابعة ذليلة لهم.
وحول هذا قال فضيلته:
تحدثت في حلقة ماضية من هذا البرنامج عن الأحداث التي تجري في ليبيا، وقلت إن هذه الثورة المباركة التي قام بها أهلنا في ليبيا يجب على كل المسلمين أن يدعموها ويقفوا معها؛ لأنها ثورة لإزالة الباطل وهدم الطغيان الذي جثم على صدر هذا الوطن الغالي ما يزيد على أربعين عاما، ويكفي في الدلالة على مشروعية هذه الثورة المباركة وأنها ضرورة ألجأهم إليها هذا الطاغية ما رأيناه من تصريحات مجنونة حمقاء لهذا الطاغية شهد عليها العالم كله أدناه وأقصاه.
ورغم هذه الآلام التي يعانيها إخواننا في ليبيا أقول إنكم - بإذن الله - على خير وإنكم - والله – منصورون، ولا أتألى على الله، لكن بوادر النصر ظاهرة، والطغيان مهما طغى وتغطرس وتجبر وبطش فإن مصيره إلى الزوال، وهذه سُنَّة الله تعالى في هؤلاء الظالمين.
وهب أن هذا القذافي المجرم معه ألف أو ألفان أو عشرة آلاف.. هل سيقفون أمام الملايين من أبناء ليبيا بل مئات الملايين من أبناء الأمة العربية والإسلامية بل والشرفاء في كل العالم من غير المسلمين؟. إن كل هؤلاء - الذين ذكرتهم - يدينون هذا الظلم وهذا القتل وهذا التدمير، ويستهجنون أيضا وعيد القذافي بتدمير البلد حتى لو لم يبقَ من أهله أحد، وأنه سيقاتل شعبه الأعزل حتى آخر طلقة - كما قال -، وتهديده بأنه سوف يلاحق هذا الشعب المسكين من طريق إلى طريق ومن "زنقة إلى زنقة" حتى يقضي عليهم.
إنه رجل مجنون أحمق، بل - والله - إني لأعجب من سعة صدر إخواننا في ليبيا، وكيف طاقوا أن يصبروا أربعة عقود كاملة على هذا المجنون الطاغية، لكن - الحمد لله - بعد ما وفق الله الشعب الليبي بهذه الثورة المباركة أقول لهم كما قال الله - عز وجل :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)، وإنكم بإذن الله لمنصورون، كما قال الله - عز وجل -: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات: 173)، وأقول لأبناء الشعب الليبي: أنتم تقاتلون في سبيل الله لإزالة هذا الطاغية العميل لأعداء الأمة الذي ظل طيلة أربعين عاما يسوم أهل هذا البلد الخسف والهوان ويطوِّعهم ليكونوا تابعين أذلة لأعداء الأمة، كم أساء إلى الدول الإسلامية؟!، وكم أحبط من المشاريع الإسلامية التي تسهم في نهضة الأمة بسبب عمالته وبسبب جنونه وخرقه وحماقته؟!، أقول لهم: أنتم والله على سبيل الجهاد وعلى خير عظيم، فالصبر الصبر، أثبتوا حتى ينصركم الله - عز وجل -.
أقول أيضا للمترددين من أهلنا في ليبيا، أو الذين يزعمون أنهم يقفون على الحياد:
لا يجوز لكم أن تخذلوا إخوانكم، ولا يجوز لكم أن تتركوا هذا الطاغية يستبد في القتل وسفك الدماء وإذلال الأمة وإهانتها أمام العالم، وأنتم قادرون على لجمه وإيقافه عند حده بأن تضعوا أيديكم بأيدي إخوانكم، يجب أن تتحد كلمتكم على محاربة هذا الطاغية المجرم.
وأيضا يجب أن يعد أبناء الشعب الليبي العدة لما بعد زوال هذا الطاغية، فهذا الطاغية زائل لا محالة، وهو في الرمق الأخير، بل هو يرقص رقصة الموت الآن، ويعرف هو ذلك، لكن يبقى السؤال المهم: ماذا بعد زوال هذا النظام الفاسد وهذا الطاغية المجرم؟ هل أعددتم العدة؟ هل رتبتم أنفسكم ووضعتم خطة لحكم هذه البلاد وتأمين حدودها؟، خصوصا في ظل الأطماع العالمية التي تحركت الآن وربما كثير منها باسم نصرة إخواننا في ليبيا، والله - عز وجل - أعلم بمقاصدهم، ونحن نعرف ماذا فعلوا في العراق وماذا فعلوا في أفغانستان، هم جاءوا لتحقيق مصالحهم، وهم يخيفهم أيضا نشوء حرية في أي بلد إسلامي سواء في مصر أو ليبيا أو تونس أو غيرها ينتج من وراءها قوة هذا البلد وتماسك أهله ووحدته والرقي صعدا في سلم الحضارة والتطور والقوة، هم يريدون هذه البلاد الإسلامية ضعيفة واهنة بحيث تبقى تابعة ذليلة لهم، وخادمة لمصالحهم، ومحلاً لأطماعهم.
يجب أن تتحد كلمة إخواننا في ليبيا من الآن وأن يجاهدوا على جبهتين:
الجبهة الأولى: الجبهة العسكرية وهي غاية في الأهمية خصوصا أنهم الآن يقاتلون في عقر دارهم والطائرات والدبابات وراجمات الصواريخ تضربهم بكل وحشية وهمجية، وهؤلاء المرتزقة - الذين جلبهم هذا المجرم – لا يتورعون عن سفك الدماء، وقتل الأبرياء، وسلب الأموال وتدمير الممتلكات، فواجب عليهم جميعاً أن يدافعوا عن أنفسهم، والنبي - عليه الصلاة والسلام - يقول: "من قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد"، ولما جاء إليه رجل فقال يا رسول الله، أرأيت إن جاء شخص ليأخذ مالي، قال: "لا تعطه مالك"، قال: "أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال أرأيت إن قتلتُه؟، قال: "هو في النار"، قال: أرأيت إن قتلني؟، قال: "فأنت شهيد"، فجعل  المقتول دون ماله شهيداً، فكيف بمن يقتل دون دينه ودمه وعرضه!!.
فهؤلاء الذين سقطوا في أحداث ليبيا المريرة هم بإذن الله شهداء عند الله - عز وجل -؛ لأنهم قُتلوا دفاعا عن دينهم وعن أعراضهم وعن أموالهم وعن أمتهم، فنرجو لهم بإذن الله منازل الشهداء، كما قال الله - عز وجل -: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران: 169-170)
الجبهة الثانية: الإعداد لمرحلة ما بعد هذا الطاغية؛ بحيث تتحد كلمة الشعب الليبي على مجلس مدني أو مكون من مدنيين وعسكريين ليحكم هذا البلد كما فعل إخواننا في مصر - لله درهم -! وقد نجحوا نجاحا مبهرا؛ يعني كان الناس في مصر يتخوفون من مرحلة ما بعد زوال النظام السابق الذي رحل - ولله الحمد -، كانت تخشى أن تقوم فتنة بين هؤلاء الثوار أنفسهم وأن تحصل فتنة داخلية واقتتال داخلي، لكن الله - عز وجل - خيَّب كل هذه الظنون السيئة السوداء المظلمة واتحدت كلمة الشعب المصري على رجل كان من أوائل الثوار ومشهود له في تاريخه - ولله الحمد - بالأمانة والصدق والإبداع، وأسأل الله أن يعينه ويسدده وأن يوفقه لاختيار الأمناء الأكفاء من شتى شرائح المجتمع بحيث يحكمون هذا البلد الذي هو كنانة الإسلام.
***
وسُئل فضيلة الشيخ د. الفوزان عن حكم من سقطوا قتلى في هذه البلدان العربية الثائرة.. هل يعتبر هؤلاء من الشهداء؟ ومن هو الشهيد؟
فأجاب فضيلته قائلا:
إن النبي - عليه الصلاة والسلام - سئل هذا السؤال فأفتانا فتوى قاطعة لا مجال فيها للاجتهاد.
قيل يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة - وفي رواية: "ليرى مكانه" أي: أنه شجاع مقدام، والرجل يقاتل حمية" أي: عن قومه وعشيرته أو منطقته، والرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل في سبيل الله، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، فالذين يقاتلون من إخواننا في ليبيا أو غيرها لأجل إعلاء كلمة الله وحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية، وتحقيق العدل، وحماية مصالح الناس وحقوقهم المشروعة فهم في سبيل الله.
وتطرق د. الفوزان في هذه النقطة إلى مسألة مشروعية الثورة في ليبيا وغيرها من البلدان قائلا:
لا يمكن أن نقول إن الثارين في ليبيا أو غيرها يفعلون ذلك في سبيل الله وأنهم يطالبون فعلا بحقوق مشروعة وأن هذه الثورة فعلا مبررة شرعا ومؤيدة إلا أن يفتي بذلك العلماء الثقات الراسخون في العلم ممن يعرفون واقع هذا البلد، وهذا الذي حصل في ليبيا، فلو أن علماء ليبيا الكبار - الذين نعرفهم وشهدت لهم الأمة بالإمامة والصدق والأمانة - أنكروا ذلك وقالوا هؤلاء شرذمة تريد مصالح شخصية أو ربما هم عملاء لمن في الخارج ويتعاطون حبوب هلوسة، لقلنا: نعم نحن معكم, لكن الشعب الليبي كله وقف ضد هذا النظام ما عدا حفنة يسيرة - مع الأسف - غُرر بهم أو أن بعضهم اُشتريت ذممهم كما يحصل الآن بالأموال الطائلة, أو أنهم خائفون فهم يقولون ما لا يعتقدون حتى يحقنوا دماءهم ويسلموا من بطش هذا الطاغية.
إن علماء البلد الربانيين الراسخين في العلم يجب أن يكونوا المرجعية في تقدير المفاسد والمصالح وفي الإحجام والإقدام، والله - سبحانه وتعالى - قال لنا في القرآن ينعى على المتعجلين والجهلة وأهل الطيش أو ربما أهل العمالة والنفاق: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ  – أي نشروه وطاروا به من دون النظر في مآلات الأمور  ومعرفة المصالح والمفاسد – ثم بين لنا المنهج الشرعي في القضايا العامة التي تمس مصالح الأمة فقال: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ – يعني العلماء الراسخين الربانيين – لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ منهم} (النساء من الآية 83).
إذن هذه قاعدة في كل الأمور التي تهم مصالح الأمة، يجب الرجوع فيها إلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم، وأن يصدر عن رأيهم ويعرف هل هذا مشروع أو ممنوع؟، ليس كل من يتبنى ثورة واعتصاما يكون موفقا وعمله راشدا,  قد يكون هناك ثورات واعتصامات إجرامية ومن عملاء لأعداء الأمة أو أناس لهم مطامع شخصية أو فئوية أو حزبية، لا يجوز لنا أن ننساق وراءهم، لكن الأمر يختلف حينما تكون الأمة مجتمعة على رأي واحد مثل ما حصل في ليبيا وما حصل في مصر أيضا وما حصل في تونس، والعلماءُ كلهم معهم، العلماءُ الراسخون في العلم الصادقون مع الله - عز وجل -، علماءُ الدين الصادقون وليسوا علماء جماهير يبتغون رضا الجماهير، وليسوا علماء سلطة يبحثون عن رضا السلطان، هم يريدون ما عند الله، علماء ربانيون، إن مثل هؤلاء العلماء يجب أن يصدر عنهم رأيهم فيما يجري، وهم الذين يعرفون فعلا: هل من المصلحة تأييد هذه المظاهرات والخروج فيها أم لا.
أحيانا قد يكون هناك ظلم صريح لكن فتح الباب لمثل هذه الثورات والمظاهرات والاعتصامات قد يترتب عليه ما هو أفسد منه وأعظم شرا وأسوأ عاقبة؛ لذلك العلماء تكلموا في موضوع الخروج على الحاكم - وهي قاعدة متفق عليها بين أهل السنة جميعا - أنه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا بشرطين، ولو كان أظلم الناس وأفجر الناس لا يجوز إلا بتوفر هذين الشرطين، والذي يحكم بتوفرهما فعلا والإعذار فيهم هم العلماء:
الأول: أن يرى الناس من هذا الحاكم كفرا بواحا، عندهم فيه من الله برهان.
الثاني: وهو مهم أن يكون لدى الناس قدرة على إزالة هذا الحاكم وإبداله بمن هو خير منه، وإذا لم يكن عند الناس قدرة ولو كان الحاكم كافرا فاجرا يأمر بالكفر وكان الخروج عليه سيكون سببا لسفك الدماء وزعزعة الأمن والاستقرار ثم يبقى هذا الحاكم على كرسيه، هنا يحرم الخروج عليه، وهذا يدخل تحت قاعدة عظيمة كبيرة تندرج تحتها كل أحكام الشريعة، وهي: قاعدة المصالح والمفاسد.
فأحيانا يكون الشيء مشروعا بل واجبا ويكون قد اندرس في أمة من الأمم، أو يكون الشيء منكرا مجمعا على تحريمه، لكن إنكاره - إذا كان الأمر منكرا - أو الأمر به - إذا كان الأمر معروفا - يترتب عليه ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله - عز وجل - والى رسوله - عليه الصلاة والسلام - وأعظم مفسدة، أو يترتب عليه فوات معروف هو أعظم منه، هنا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الحال حراما، لأنه يترتب عليه ما هو أنكر منه، ولهذا قال العلماء: يُرتكب أخف الضررين، وتُرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما.
الآن حتى ما يحصل في ليبيا (وهو مثال أمامنا) فيه سفك دماء.. فيه زعزعة للاستقرار والأمن.. هؤلاء المهجَّرون الذين تقطعت بهم السبل.. لا شك أنَّ هذه مفاسد, لكن بقاء هذا النظام بغطرسته وظلمه واستحلاله للدماء واسترخاصه للنفوس وإذلاله للعباد، وعمالته للأعداء، ومحاربته للدين، واستهتاره بالأمة وبجميع مصالحها أعظم فسادا، وحتى القتال وهو الجهاد في سبيل الله يقول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...}، ماذا قال الله بعدها:{...وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...} (البقرة: من الآية 216).
إن الأمة اليوم - والحمد لله - بدأت تنتفض عن الظلم والطغيان، وتثور على التركيع والإذلال، وهذه مرحلة فارقة في تاريخ الأمة - ولله الحمد والمنة -، لكن يجب أن يكون القائد لهذه الثورات هم أهل الحل والعقد والعقل الذين حنكتهم التجارب وعركتهم الحياة وعُرفوا بالإخلاص والصدق مع الله - عز وجل - من العلماء والوجهاء وأهل الرأي والعقل.
وحول الدعوات إلى التظاهر في عدد من الدول الإسلامية الأخرى ودول الخليج قال فضيلته:
لا يجوز حينما يوجد ظلم في أي بلد من البلدان أن نقول لا حلَّ إلا الثورة والخروج على الحاكم فنعمم، وهذه خطيرة. وأقول في ذلك: يجب الرجوع للعلماء ونفكر في عواقب الأمور، وألاَّ نقيس البلدان كلها على بعض، فالأحوال تختلف، فهناك فرق كبير بين بلد يحكم الشريعة ومرجعيته الكتاب والسنة كما هو الحال مثلا في السعودية، وبين طاغية مرجعه الكتاب الأخضر الذي يعارض به الكتاب والسنة، فلا يمكن أن يقاس هذا على هذا.
في الجانب الآخر - وأنا أقولها بكل أمانة نصحا لله - عز وجل - ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: لا يعني أننا ندعو إلى التعقل ونمنع مثلا المظاهرات والاعتصامات في بلد كالسعودية لأنها قلعة الإسلام الحصينة ومأرز الإسلام إلى قيام الساعة، ولأنها تطبق الشريعة، لا يعني أيضا أن نسكت عن بعض الأخطاء والتجاوزات الموجودة، فهناك أخطاء كثيرة، هناك تجاوزات، هناك مظالم على مستوى الأفراد ومستوى الدولة يجب أن تعالج، والنبي - عليه الصلاة والسلام - قال في الحديث الصحيح "إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم"؛ أي لا يبالي الله - عز وجل - بهم في أي واد هلكوا. ويقول - عليه الصلاة والسلام- "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب"، نسأل الله العافية، وهذا الذي نخشى منه ويقول الله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال: 25)، هذه مظالم توجد في السعودية أو في دول الخليج أو غيرها، وكلنا بشر، والذي يقول ليس عندنا مظالم والأمور كلها مائة بالمائة هو يخادع نفسه ويكذب، فكل ابن آدم خطاء، نعم هناك أخطاء، هناك تجاوزات والناس يتحدثون عنها، ويجب أن تعالج, نحن كما نقول للناس يجب التعقل والنظر في عواقب الأمور يجب أن نتفطن لدسائس الأعداء الذين يصفقون فرحا حين يجدون أي ثغرة أمنية في بلدنا لكي ينفذوا من خلالها، وهم كثر في الداخل والخارج، أو يجدون أي مظلمة فينفخون فيها، ويحرضون الناس على التمرد وإثارة الفتن والفوضى، نسأل الله أن يكفينا شرورهم! نقول أيضا لحكامنا وولاة أمرنا - أسأل الله أن يسددهم ويوفقهم لما يحب ويرضى وأن يحفظهم بحفظه- نقول لهم: هناك مظالم وهناك أخطاء يجب أن تعالج حتى نتقي شر هذه الفتن، وأسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء، وأن يقطع دابر المفسدين الظالمين في كل مكان.
***
وفي  حلقة أخرى أذيعت مؤخرا - أجاب فضيلته عن مداخلة لأختين طلبتا منه التعليق على الاقتتال في ليبيا بين الثوار والجنود الموالين للقذافي، وسألتا: كيف يكبِّر الثوار وهم يقتلون جنودنا وضباطنا وهم مسلمون؟.. وهل ما نشاهده من قتل للثوار.. أمر جائز؟.. فأجاب قائلا:
إن الذي يحصل في ليبيا اليوم لا شك أنه فتنة عظيمة، وهو فعلا قتال بين مسلمين، وهو والله يحز في النفوس ويدمي القلوب.
إن المجاهدين الذين ثاروا على هذا الطاغية المتجبر المجرم كانوا يتمنون من بقية إخوانهم في طرابلس وفي بقية المدن التي لا زالت تحت قبضة هذا الطاغية المجرم القذافي وأعوانه الظلمة الوقوف معهم وقوفا مع الحق والعدل، وإنكارا للظلم والطغيان والاستبداد وسفك الدم المسلم بغير حق.
إن الذي يقتل المسلمين الآن هو القذافي وعصاباته الإجرامية، وهم يضربون المدن بالطائرات والدبابات والأسلحة الثقيلة، لا يفرقون بين شيخ ولا صبي ولا امرأة ولا ثائر ولا آمن في بيته مغلق عليه بابه، هم يقتلون - والعياذ بالله - بلا حساب ولا تمييز، وما فعلوه بالأمس في أهل مدينة الزاوية وما سمعناه ورأيناه في التقارير شيء لا يكاد يُصدَّق. 
كيف يتعمد حاكم - ولِيَ الأمر لكي يحكم بالعدل ويحفظ مصالح الناس - قتل أبناء شعبه بهذه الطريقة الوحشية الإجرامية كأنه يتشفَّى منهم، هذا أمر لا يمكن أن يفعله إنسان يخاف الله - عز وجل - ويرجو الدار الآخرة، أمر لا يمكن أن يفعله حاكم أيضا عنده وطنية وحمية لقومه وعشيرته, هذا طاغية متجبر رأى أن وطنه بل العالم كله قد لفظه، ويريد أن ينتقم بأي وسيلة، وكأنه يريد أن يوقع صورا مأساوية لا يزال يُلعن بها على مر التاريخ، وهذا يدل على أن هذا الرجل مجنون أحمق.
وأنا كما قلت - في حلقة ماضية - ليس بيني وبين القذافي شيء، وليس بيني وبينه صلة ولا مصلحة، ولست أعرف –والله- من الثوار أحدا، - أسأل الله أن يسددهم - غير أنه تربطني بهم أخوة الإسلام، وأيضا ما أشعر به من الظلم العظيم الذي قاسوه طيلة حكم هذا الطاغية المجرم، الذي عم شره القاصي والداني، داخل ليبيا وخارجها.
ولما يسَّر الله هذه الثورة المباركة يجب أن توضع أيدي الليبيين بعضها في بعض، وأن يقطع الطريق على هذا المجرم وأعوانه الظلمة وهؤلاء المرتزقة الذين جلبهم من شتى البلدان، وبعض النفعيين المتأكلين هم منتفعون من ورائه بأمور دنيا لكنهم يبيعون دينهم بعرض زائل من الدنيا.
يجب - وأقولها ديانة - على كل إخواننا أن ينفضوا أيديهم من القذافي وأعوانه الظلمة، وأن ينحازوا للحق والعدل، وأن يضعوا أيديهم مع إخوانهم في ليبيا ومع المجلس الوطني الذي انتخب الآن ويثنى على أهله وأنهم من خيار الناس، ولله الحمد والمنة، والآن اعترف بهذا المجلس بعض دول العالم، ونرجو أن تعترف به الدول العربية قبل غيرها؛ أن تعترف بهذا المجلس وأن تدعمه بالمال والسلاح وما يحتاجونه من أدوية وأغذية لكي يواجهوا هذا الطاغية المجرم.
الآن العالم بدأ يحضِّر للحظر الجوي، وأتمنى أن يتم اليوم قبل الغد لمنع سفك المزيد من الدماء, لكن الذي - والله - أعتب فيه عتبا شديدا على أولئك الذين لا يزالون ساكتين في الظل والقذافي يتقوى بهم ويزعم أنهم ضمن بطانته، نعم قد يكون بعضهم معذورا، خصوصا العاجز عن القتال وعن الهجرة لإخوانهم والقتال معهم، لكن القادر كيف يسكت وهو يرى أهله يذبحون بهذه الطريقة الإجرامية، وربما كان عسكريا من ضمن الجنود الذين في صف القذافي وضمن كتائبه الإجرامية التي تفعل ما فعلت اليوم بإخواننا؟.
 لقد أجمع العلماء قاطبة على أن الإنسان لو أُكره على قتل أخيه المسلم فإن قتله لأخيه لا يجوز، ويغرر بنفسه ويقتل ولا يقتل أخاه، يعني لو قُتل سيقتل ظلما وعدوانا وهو شهيد، لكن حينما يقتل أخاه المسلم لكي يستنقذ حياته فقد قتل نفسا بغير حق، وليس للإنسان أن يستنقذ نفسه بقتل غيره، وأنا أقول لإخواني الذين يشاركون مع القذافي في إجرامه حتى وإن كان بعضهم كارهاً لذلك بقلبه أقول لهم: والله لا يجوز لك أن تطلق رصاصة واحدة على إخوانك المسلمين هناك، والله لا يجوز ذلك حتى على المقاتلين فكيف بالآمنين في بيوتهم ممن يضربونهم بالطائرات والمدرعات والأسلحة الثقيلة، الله - عز وجل - يقول متوعدا من يفعل هذا: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء:93)، هذا الكلام على من يقتل شخصا واحدا فكيف بمن يقتل العشرات والمئات يوميا؟ كيف يقوى الواحد مهم أن يرفع السلاح على أخيه المسلم البريء أو الذي يدافع عن عرضه وماله ونفسه. أيضا النبي - عليه الصلاة والسلام – يقول: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما"، ويقول: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق" هذا في قتل واحد، فكيف بقتل العشرات والعياذ بالله.
تقول الأخت السائلة: إننا نشاهد في قنواتنا أن هؤلاء يقتلون جنودنا ويكبرون.. من يقول لك هذا يا أختي، إن القذافي - كما رأينا  عبر الصور -  قتل من امتنع من قتال إخوانه في الزاوية أو في مصراته وفي بنغازي وغيرها، قتلهم في لحظة واحدة قتلا جماعيا، وأسأل الله - عز وجل - أن يجعلهم في أعلى درجات الجنة وأن يكتبهم في الشهداء، لله درهم امتنعوا عن قتل إخوانهم المسلمين فقُتلوا. وما يدريك يا أختي أنه هو الذي يفعل هذه المسرحية خاصة أنه إنسان كذاب والعالم كله يشهد بكذبه، بل إن كذبه يدل على جنونه وحمقه، فهو يقول للعالم: "لا توجد مظاهرات والوضع عندنا مستقر والشعب الليبي كله عن بكرة أبيه يحبني"، والعالم يشاهد ما يحصل، يعني شيء فوق الجنون، وتعجب كيف بقي هذا الرجل يحكم هذا البلد تلك السنين كلها؟، لكن فرصتكم حانت أيها الليبيون، يجب القضاء على هذا المجرم وعصابته الإجرامية، أنا أقول: من كان ابتلي بالعمل ضمن الكتائب الأمنية يجب أن يهرب وينفذ بجلده اليوم قبل الغد، وإن استطاع أن يرتد في نحر القذافي ويقتله هو وجنوده وأعوانه على ظلمه وطغيانه فلله درُّه! وهذا من أعظم الجهاد، وإن قُتل فهو شهيد، ومن لم يستطع فليهرب بدل أن يقتله القذافي أو يكرهه على قتل إخوانه، ولا إكراه حتى لو أكرهك، افرض أنك قائد طائرة أكرهت على أن تذهب وتضرب الزاوية وغيرها اذهب يا أخي وافرغ حمولتها في البر أو في الأماكن التي لا يوجد فيها سكان، أو افعل كما فعل إخوانك حينما فروا إلى مالطة وغيرها وانفذ بجلدك، أما أن تكون ذراعا ضاربا لهذا الظالم المجرم وأنت تعرف أنه ظالم وسفاك دماء هذا والله لا يجوز، وأقول لهؤلاء: اتقوا الله، ولا يغرنكم ما ينشره هذا الرجل في قنواتكم، فكلها كذب ودجل، وتجد أن هؤلاء المرتزقة الذين يقاتلون في النهار ثم يجمعهم في الليل لكي يقيموا مظاهرات يعلنون حبهم وولاءهم له، الآن الرجل انتهى ويجب أن ينتهي، لكن أتمنى أن ينتهي بأقل ما يمكن من الخسائر، ولا يمكن أن يحصل هذا كما ذكرت إلا بتمرد هذه الكتائب عليه ورفع يدها عنه، بل أن ترتد عليه في نحره، وأتمنى أن يدكه الله - عز وجل - هذه الليلة ويريح المسلمين من شره.

طالع أيضا:
أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
معتز        ليبيا         2011/10/03
لا فض فوك والله
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام