الجمعة 26/11/1438 - الموافق 18/08/2017 آخر تحديث الساعة 06:04 ص مكة المكرمة 04:04 ص جرينتش  
صحف
سوريا على صفيح ساخن

سوريا على صفيح ساخن

1432/04/22 الموافق 27/03/2011 - الساعة 02:40 م
|


يبدو أن أحدا من الأنظمة العربية لن يبادر إلى إصلاح حقيقي دون ضغط شعبي رغم ما جرى في تونس ومصر واليمن وليبيا، الأمر الذي يبدو طبيعيا في واقع الحال، إذ ليس ثمة نظام يمكن أن يتنازل عن صلاحياته وامتيازاته طائعا مختارا.

نقول ذلك لأن المؤسسات الأمنية هي التي تصنع القرار في العالم العربي، أو توجهه في أقل تقدير، وهذه غالبا ما تقول لصاحب الأمر إن عليه ألا يتنازل تحت الضغط، وإلا فإن مسلسل التنازلات لن يتوقف عند حد.

والحق أننا إزاء نصيحة ربما كانت صائبة بقدر ما في الزمن الماضي، أما بعد حريق البوعزيزي الذي أتى على ثياب الذل وكسر حاجز الخوف فلم تعد ذات قيمة أبدا، ومن لا يبادر إلى الإصلاح المقبول سيكون عليه أن يقدم تنازلات أكبر بكثير بعد الحراك الشعبي، وما جرى في تونس ومصر واليمن وحتى ليبيا دليل على ذلك.

في سوريا قال الرئيس إن بلاده تختلف عن سواها، وأن موقف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني منه يمنحه مصداقية في الأوساط الشعبية، وهذا الكلام صحيح بقدر ما، مع أننا نجد صعوبة بالغة في إقناع الكثير من السوريين، تحديدا في الخارج، بأن نظامهم السياسي يواجه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، إذ أن الظلم الواقع عليهم لا يمنحهم الفرصة للتفكير العقلاني، فيميلون تبعا لذلك إلى عقلية المؤامرة التي ترفض الاعتراف بأي ميزة للنظام.

والحال أن ليس من حق النظام أن يبادل السوريين مواقف جيدة في السياق القومي هي أيضا دفاع عن وجوده ودوره، بمواقف سيئة في السياق الداخلي، وليتذكر الجميع أن الثورة المصرية والتونسية واليمنية والليبية كانت في جوهرها نتاج احتجاج على الأوضاع الداخلية، وإن منحتها المواقف الخارجية البائسة مزيدا من الدافعية.

اليوم وبعد أن تلكأ النظام السوري في الإصلاح رغم النصائح الكثيرة التي تلقاها من عدد من الأصدقاء، ها هو يجد نفسه أمام سيل من الاحتجاجات التي يصعب التكهن بمداها، وهي احتجاجات واجهها بعصا الأمن الثقيلة، بخاصة في مدينة درعا قبل أن تمتد لمعظم المدن الأخرى، ثم اضطر إلى التعامل معها سياسيا بعد ذلك.

على أن الاستجابة السياسية لم تغادر حتى الآن مربع الوعود، الأمر الذي لن يكون ذا جدوى، إذ من دون تغيير حقيقي وإعلان صريح عن خطوات جوهرية تتحرك ضمن جدول زمني واضح، فلن تتوقف الاحتجاجات، ويكفي أن يقال إن قانون الطوارىء سيخضع لإعادة النظر من أجل وقف العمل به، حتى يشكّ الناس في جدية نوايا التغيير، لاسيما أن وقف العمل به لا يتطلب درسا ولا من يدرسون، وبالإمكان إلغاؤه على نحو سريع وحاسم.

أما الرشاوى المالية فلن تكون ذات جدوى أيضا، بل لعلها تزيد الاحتجاج سخونة لأنها تثبت أن تحسين شروط حياة الناس كان ممكنا، لكن المسؤولين كانوا يتلكأون في التنفيذ تبعا لحسابات غير مفهومة، أو لعلها مفهومة بالنسبة لكثيرين.

الإصلاح السياسي الحقيقي هو الوحيد الذي يمكنه تنفيس الاحتقان وإقناع الناس بوقف النزول إلى الشوارع، ومن دون أن يحدث ذلك سيتواصل الاحتجاج وسيتصاعد يوما إثر آخر، ومن يعتقد أنه عبر تصعيد آلة القمع سيتمكن من بث الرعب في نفوس الناس واهم إلى حد كبير.

نحرص على سوريا التي تنتمي إلى محور المقاومة والممانعة، لكن المقاومة والممانعة ليست نقيض الإصلاح والديمقراطية والحرية، بل لعلها الأحوج إليها من أي أحد آخر، لأن من يريد مواجهة العدو ينبغي أن يواجهه بجبهة داخلية متماسكة، وبشعب حر أبي، وليس بجبهة متصدعة وشعب يعاني من الظلم والفساد والاستبداد.

يبقى القول إننا لسنا خائفين البتة على قوى المقاومة التي تدعمها سوريا، لأن الشعب السوري الأبي لم ولن يكون إلا معها، بل لعله يتفوق على نظامه السياسي في الموقف منها، وهو يتمنى أن يلتقي معه أيضا في السياق الداخلي لينتفي التناقض بين الطرفين على كل صعيد.

 

المصدر: صحيفة "الدستور" الأردنية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام