الجمعة 02/01/1439 - الموافق 22/09/2017 آخر تحديث الساعة 05:46 ص مكة المكرمة 03:46 ص جرينتش  
حوارات
بعد تونس ومصر واليمن وليبيا.. هل تندلع ثورة العراق؟ (حوار)

بعد تونس ومصر واليمن وليبيا.. هل تندلع ثورة العراق؟ (حوار)

1432/04/24 الموافق 29/03/2011 - الساعة 11:30 ص
|


مع تصاعد الثورات في عالمنا العربي وانتقالها من دولة إلى أخرى.. يرى بعض المحللين أن هذه العدوى سوف تنتقل إلى العراق, لما يعانيه العراقيون من ظلم واحتلال منذ ثمان سنوات, فهل سيكون العراق هو البلد العربي القادم الذي سيشهد ثورة ضد الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية التي جاءت في ظل الاحتلال؟، وهل سيتمكن العراقيون من التخلص من الظلم الجاثم على صدورهم؟

هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها الأستاذ حارث الأزدي، رئيس تحرير صحيفة البصائر العراقية، في حوار خاص مع موقع "رسالة الإسلام".

هل تعتقد أن المظاهرات التي شهدها العراق في الفترة الأخيرة ستصل إلى مستوى الثورات التي لا زال صداها مستمرا في المنطقة العربية؟

في البداية أشكر لكم هذه الاستضافة وأدعو الله للقائمين على الموقع أن يوفقهم في مسعاهم ويعينهم على حمل الرسالة وإيصالها على أكمل وجه.

ربما اختلف في التعبير عن الثورات ورياح التغيير التي تشهدها كل أرجاء العالم العربي والتي ابتدأتها تونس؛ هذه الدولة التي كانت محكومة بنظام بوليسي ممغنط ببطاقات الكترونية للدخول إلى المساجد والخروج منه، ومن ثم امتدت إلى مصر فليبيا واليمن.

والعراق أولى من هذه الدول جميعا أن يكون له الصدارة في الانتفاضة والثورة لأنه ببساطة يمتلك مؤهلا ودافعا للثورة وهو الاحتلال ومن جاء معه، وأنا إذ أصف أن هذه الثورات نتيجة طبيعية لهيجان الشعوب بمكنونها البركاني، فإني لا أغفل الظروف والجو العام العالمي للتفاعل مع هذه الثورات، وذلك ظاهر في التعامل والاعتراف بهذه الحراكات المجتمعية والسياسية.

 لقد أثبتت هذه الثورات سقوط صنمية المدعين بأنهم صمامات الأمان للغرب في الوقوف في وجه ما يُسمى بـ"الإرهاب" الذي سقطت نظريته كسقوط ذرائع الاحتلال من أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية وغيرها من فبركات المحتل في تسويق عدوانه، فها هي الشعوب تَعبر تلك التحديات بنجاح ساحق لكل الحساسيات السياسية كما كان يُسوَّق في تونس، ولكل ظروف الشحن الطائفي والديني في مصر، ولكل التناحرات المفتعلة والتخويف بالعدو الوهمي كما في ليبيا واليمن.

وليس أدل على سقوط هذه الذرائع من الحراك الشعبي في العراق، فقد تسامت الجماهير على جراحاتها وغلبت العراق على كل اهتماماتها الجانبية.

إن العراق ينجز اليوم مرحلة مهمة من حِراكاته،  فلولا وقفة العراقيين بوجه آلة الطغيان الأمريكي لما كانت نتائج هذا الحراك بهذا الحجم وهذه القوة وتلك الأحكام الواعية التي حاصرت القابعين في المنطقة الخضراء وأربكتهم فما عادوا يطيقون سماع دوي الجماهير.

  نعم العراق مرشَّح بالفعل لإشعال ثورة كبرى تُطيح برؤوس العمالة والانحياز لمشروع المحتل، بما يمتلكه من مخزون تاريخي قديم وحديث، فالقديم هو الشعب الذي لم يرضخ لقهر، وقد شهد تاريخه أروع الثورات والانتفاضات، ولم يسلم حاكم فاسد من الوقوف أمام أبناء الشعب العراقي وقفة حساب ومحاسبة في جردة إحصاء لما فعله من جرائم وانتهاكات، واليوم يحصي العراقيون جرائم الذين جاؤوا مع المحتل، وسيحاسبهم عليها بالكامل.

لقد انطلقت الشرارة الأولى في العراق في الخامس والعشرين من شهر فبراير الماضي، وهي وإن وُلدت كبيرة إلا أنها بإذن الله تملك أسباب الديمومة والاستمرار.

على ماذا تراهنون في نجاح تلك المظاهرات في العراق خاصة في ظل معاناة العراق من الاحتلال الأمريكي والتوغل الإيراني في شؤونه؟

هذا سؤال ذكي يسوقه الواقع العراقي ويؤشر عليه كل معنيٍّ بالشأن العراقي، وللإجابة عليه من وِجهة نظري المتواضعة أنه محل اعتماد لديمومة الثورة لا إجهاضها، فالمحتل الأمريكي يعاني من الهزيمة الميدانية والسياسية والإعلامية، وهو يبحث منذ أكثر من سنتين عن طريق للخروج الآمن مع حفظ ماء الوجه، وليس أدل على هذه الهزيمة من تصريح أحد قادة جيش الاحتلال يوم سُئل عن المشروع الأمريكي وإمكانية استمراره في استهداف دول أخرى كانت مدرجة على القائمة الأمريكية فقال: إن المشروع مستمر لولا "مسمار جحا" الذي وقف عائقا دون إتمام المشروع، وحين سئل عن قصده من "مسمار جحا" قال: الفلوجة، في إشارة إلى ما نالوا فيها من ويلات الهزيمة والانكسار، وبالموقف ذاته عبَّرت السياسة الأمريكية على لسان وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون بقولها لمن طرح اجتياح قندهار: لا تنسوا تجربة الفلوجة فلا تقتحموا قندهار.

لقد أصبحت الفلوجة خاصة والعراق بشكل عام  غُصة في حلق الشراهة الأمريكية الداعية للتوسع والانتشار واغتصاب مُقدَّرات الشعوب.

هذه الهزيمة تجعل من المحتل فاقدا لخيوط اللعب وإدارة الصراع، لاسيما وأن الثورة تستهدف مشروعه وأدواته وعملاءه ومسوقيه، فقد لعب الوعي الشعبي دورا فاعلا في إدامة استنزاف القدرة الأمريكية، وقد جاءت المظاهرات لتثبت للعالم أكذوبة التحكُّم الإيراني وسيطرته على الشارع العراقي كما كانت تسوقه إيران في مفاوضاتها مع أمريكا، فخرج ابن الجنوب قبل ابن الوسط وتابعه ابن الشمال في كشف ضحالة الهياكل الورقية الفارغة التي يعتمدها المحتل ودولة التمدد الإقليمي إيران.

أنا أقول إن وجود الاحتلال الأمريكي والتمدد الإيراني مبعث ديمومة وحافز للثورة، لاسيما أن العراقيين اليوم توحَّدوا على بُغضهم، ولذلك ينعدم التأثير السلبي لوجود الاحتلال والتمدد الإقليمي الإيراني على الثورة في العراق، فالشباب اليوم استلهموا كل معطيات المقاومة والمناهضة والممانعة فخرج صوتهم صادحا ومدويا ومزلزلا لكل ركائز الاحتلال الأمريكي ومثابات التمدد الإيراني.

برأيكم.. ما السبب في تفاعل الحكومة الأمريكية ومن بعدها أوروبا مع المظاهرات التي انطلقت في الوطن العربي، وتجاهلهم لما يحدث في العراق؟

ببساطة شديدة تسعى إدارة الاحتلال الأمريكي لاهثة لدعم مشروعها السياسي المتمثل بالحكومة الخامسة للاحتلال - حكومة نوري المالكي - بكل ما أوتيت من قوة لأنها تحسب أي هزيمة لصفحتها الاحتلالية في التوجه السياسي للبلد هزيمة لها، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن المراقبين للسياسة الأمريكية في العالم يقولون إن لكل رئيس في الإدارة الأمريكية حربه التي يتسمى بها، سواء أكانت بالحرب المتعارف عليها أو بتوجيه ضربة استباقية أو وقائية لأهداف تمثل مشاريعهم المستقبلية، أو قد تكون معاهدة أو اتفاقية غير أن الرئيس باراك أوباما - الذي صعد على سُدة الحكم بلافتة التغيير - تبين أن حربه اليوم هي الدفع باتجاه حركة سير الشعوب والتنصل عن الالتزامات الثقيلة بتامين الأصنام التي تتولى قيادة البلدان بعد أن صدئت وبان خوارها، إلا في العراق فهم يعدُّون هؤلاء الشراذم وشذاذ الآفاق خير من ينفذ أجنداتهم من دون عناء، ولذلك فهم حريصون على تأمينهم وإسنادهم، وهذا منهج متَّبع منذ بدء صفحة الاحتلال السياسية في ما يُسمى مجلس الحكم، ومرورا بحكومة إياد علاوي، وكذلك حكومة إبراهيم الجعفري، وهو ما حصل مع الحكومة الرابعة التي كان يرأسها نوري المالكي قبل تولِّيه الخامسة، فقد استقال سبعة عشر وزيرا وبقيت الحكومة الرابعة دون أن تهتز، لا لقوتها بل لإسنادها أمريكيا وإيرانيا، ويدل ذلك بشكل واضح أن العملية السياسية صورية لا حقيقة لها.

 إذن الوضع في العراق معقَّد بالنسبة للدستور والقوانين المرعية، بل إنه معقد وشائك حين ترى التعامل الإعلامي الأوروبي مع موضوع الثورة في العراق ضعيفا جدا بل يكاد يكون معدوما تماشيا مع مشروع الاحتلال وتنفيذا للإرادة الأمريكية، هذا بالضبط الذي يحكم المعادلة من وجهة نظر الاحتلال، أما عن الحراك الشعبي وتوجهاته السياسية فهو على وعي تام بهذه المعادلة، وهو غير معنيٍّ بتوجهات هذا الطرف أو ذاك، فهو إرادة شعبية حرة قادرة بإذن الله على فك علائق المعادلة الاحتلالية بعناصرها المساعدة التي انتفت الحاجة إليها، أو تلك التي لا تزال داخل المعادلة.

إن الشعب العراقي بوعيه العميق وتشخيصه الدقيق أجهض مشروع المحتل وأعوانه، وسيُرغم الواقفين على التل بالنزول إلى الساحة للوقوف إلى جانب الشعب العراقي.

ما دور المقاومة العراقية من تلك المظاهرات؟

ربما أشرت في الإجابة عن الأسئلة فيما سبق منها أن الحراك الشعبي بشقه السياسي إنما هو ثمرة من ثمار المقاومة العراقية الباسلة، فمطالب الثائرين كانت تمثل ملخصات لما نادت به المقاومة منذ انبثاقها، أما وقفة المقاومة فقد تمثلت بوعي مماثل للدافع الذي جعل المتظاهرين يتحدون الصعاب وحظر التجوال، فقد أصدرت ثمانية فصائل من المقاومة العراقية بيانا تضامنيا مع المتظاهرين أفشلت فيه ما كان مخططا ومرتبا له من استهداف المتظاهرين وإلصاق الجريمة بالمقاومة كما هو معمول به في خضم التجاذبات السياسية والتناحرات فيها التي تقضي بإقصاء هذا أو ترهيب ذاك ولصق ذلك بالمقاومة، والمقاومة من دم العراقيين براء.

إن إصدار هذا البيان يعدُّه المراقبون تناغما وتواصلا بين فصائل المقاومة والمتظاهرين في ساحة التحرير، ولأجل أن لا يُستغل أي تحرك عسكري في مثل هذه الظروف بما ينعكس على المتظاهرين بالسوء.

إن هذا البيان - وهو موجود على صفحات الإنترنت - يكشف بوضوح لا لبس فيه نية هذه الحكومة وما تبيِّتُه للمتظاهرين، لكن هذا لن يمنع فصائل أخرى لم تعلن موقفها من اتخاذ موقف عسكري ميداني يساهم في إسناد المظاهرة بالشكل الذي تراه مناسبا.

عموما إن الحراك الشعبي في الثورة العراقية الكبرى يسير وفق خطط مستدامة يغذيها التعامل الصلف من الحكومة تجاه مطالب المتظاهرين، فمن جمعة البداية إلى جمعة الشهداء ومن ثم وقفة اثنين الندم لإعلان البراءة من انتخابهم وتليها جمعة الإصرار والتحدي والجمع قادمة بإذن الله، فالإصرار والمواصلة تأخذ استمراريتها من عزم الجماهير ومن تعامل الحكومة بمنهج الاستبداد الذي تعاملت به الحكومات في تونس ومصر، فاستخدام القوة المفرط والاعتقالات وتجاهل المطالب والرد عليها بما لا يليق وكذلك وصف المتظاهرين بالخوارج كلها تدفع باتجاه استمرار تظاهرات الغضب وصولا إلى يوم الخلاص والنهاية. واليوم -ونحن نعد هذا اللقاء- كُشف عن سجن في داخل المنطقة الخضراء بإدارة المالكي يعاني فيه المعتقلون أشد أنواع العذاب، هذا في المنطقة الخضراء التي توجد فيها سفارتا أمريكا وبريطانيا فكيف بالسجون الأخرى السرية منها والعلنية، كل هذه الانتهاكات تدفع باتجاه استمرار الثورة بمساندة ذراعها العسكري المقاومة الباسلة.

هل تعتقد أن ورقة المالكي احترقت وأن أمريكا ستستبدله بوجه آخر لامتصاص حجم الغضب العراقي خاصة وأن الكثير من المحللين والخبراء يرشحون جعفر باقر الصدر ليحل محل المالكي؟

بعد سبتمبر 2001م.. ليس لأمريكا صديق بالمطلق ولا عدو بالمطلق إلا الشعوب الحرة، فحرية الشعوب تمثل للإدارة الأمريكية أرقا تحاول التخلص منه باستقدام نماذج قادرة على تنفيذ الأوامر من دون أي محاولة للفهم، فهي تريد أدوات تنفيذ ليس إلا، أما المالكي وورقته فهي رهينة بميزان القوى الفاعلة في المجتمع العراقي لا بمقدرته الذاتية ولا بكفاءته، وقد اعتمدت الولايات المتحدة -لاسيما في الانتخابات الأخيرة- خطة تقضي بصراع المتشاكسين والمتناحرين والمؤتلفين أيضا في المساحة التي حددتها للتنافس، وهي بعد ذلك تؤيد هذا الطرف أو ذاك من دون الالتفات إلى  حجم العمالة أو الخدمة التي قدمها.

 أما ترشيح جعفر باقر الصدر فأنا أرى أنه لا يملك قدرا كافيا من القوة والمقدرة لقيادة بلد فيه من المتشاكسين الكثير، وفيه من التناحرات الأكثر، وهذا بحد ذاته يعني بقاء هذه العملية السياسية على منهجها التحاصصي والطائفي والعرقي، فالعراقيون اليوم لا يبغون بثورتهم هذه تغيير الشخوص أو الوجوه وإنما يريدون إنهاء هذه العملية المؤتمِرة بإمرة المحتل والمنفذة لأوامر التدخل الإيراني التي وصلت حد القبول بهذا الوزير أو ذاك.

إذا ما حدث تغيير للمالكي وأتباعه في العراق.. هل تعتقد أن ذلك سيكون مُرضيا لإيران؟

تلعب إيران في الساحة العربية عموما والعراق خصوصا بأدوات وأذرع متعددة، فهي تلعب بأوراق متعددة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فالتناغم الأمريكي الإيراني ظاهر وواضح للعيان بالرغم من الحرب المعلنة إعلاميا بينهما، ولذلك فإن تغيير هذا الطرف وأتباعه أو تلك المجموعة ومريديها لا يعني غضب إيران، فهي قد لعبت على ورقة المجلس الأعلى بقيادة الحكيم لفترة، ثم ما لبثت أن تحولت إلى ورقة الصدر وأتباعه، وها هي اليوم تدعم المالكي.

الأمر برمته بخصوص الحراك السياسي الاحتلالي مرهون بمن ينفذ مصلحة الأجندتين الأمريكية والإيرانية التي لا خلاف بينهما بقدر ما يعتري هذه العلاقة تنافسا استحواذيا على هذه البقعة أو تلك، ولذلك أرى أن الدعم الإيراني للمالكي ينتهي بنهاية تنفيذه لمطالبهم وتأمينه لها, أما إذا تغير هذا التامين فإنها ستعدل إلى ورقة أخرى من أوراقها.

أما الشعب العراقي فقد أيقن أن من جاء مع المحتل ومن يأتمر بإِمرة المحتل وإيران لا يبني بلدا، ولذا نجد الصوت العالي للمظاهرات خرج من الجنوب قبل أن يصدر من وسط العراق وغربه، فهاتان الإدارتان اللتان تديران هذه الأدوات تعمل في ساحة المنطقة الخضراء وبما تؤمنه قوات الردع الحكومي، أما الشعب فمساحة حراكه تمتد من أقصى الشمال العراقي وحتى آخر نقطة في جنوبنا الغالي.

يرى البعض أن في  المظاهرات امتصاصا لحالة الغليان في الشارع العراقي, وأنها لن يكون لها أي أثر على بقاء المالكي وأتباعه.. ما رأيكم؟

لا أرى ذلك بالمطلق، وهو وصف تسطيحي بعيد عن القراءة الصحيحة للواقع العراقي، ويؤيد قولي مظاهر الاستعداد الحقيقي للمواجهة واستعداد الحكومة الاحتلالية الخامسة إعلاميا وسياسيا وميدانيا، فحجم الاستعداد الحكومي واستنفارها لا يؤيد نظرية المؤامرة القائلة أن انتفاضة الشعب العراقي تنفيس ولن يتحقق منها شيء، فالبوادر التي أرادتها الحكومة لتسويق التعديلات ظاهرة ومع أنها غير مقنعة للعراقيين، فقد أثارت التساؤلات والاتهامات حول مقدرة المسئولين على تقديم خدمات بسيطة ولم يقدموها إلا بعد تهديدهم، فانقلبت استجابة الحكومة لبعض المطالب وبالا عليها، فتحسين المفردات الغذائية بالبطاقة التموينية يعني مقدرة الحكومة على تنفيذ ذلك وهي تماطل فيه، وتسترها على الفساد والمفسدين يعني علمها ولا يخلي مسؤوليتها عن هذا الفساد وهؤلاء المفسدين.

إن الأيام القادمة في العراق حُبلى بالأحداث التغييرية، فقد انكسر طوق التكميم وصدحت حناجر العراقيين بالتغيير، وستكون الكلمة الأخيرة للشعب في ساحة التحرير يوم التحرير إن شاء الله.

ما تقييمكم في تغطية الإعلام العربي والعالمي للمظاهرات في العراق؟

حين تكون تغطية خبر في أقاصي الأرض عن موت جندي من حلف الناتو أو من غيره أهم من الحراك الثوري الشعبي في العراق فاقرأ على الحيادية السلام، وحين تكون اختيارات نشرة الأخبار في وسائل الإعلام العالمية والعربية  لا تتضمن خبرا عن العراق وثورته فودِّع المهنية والاحترافية في صناعة الخبر أو أعلن موتها.

إن العراقيين في الغالب قرؤوا الساحة الإعلامية بدقة بالغة وبتشخيص سليم، وهو أن تغطية الثورة في العراق تعني مهاجمة للمشروع الأمريكي في العراق، ولهذا لم تتحقق مهنية وحيادية وسائل الإعلام لتغليبها المصلحة الأمريكية على مصالح الشعوب، وتبين من خلال ذلك أيضا أن الضوء الأخضر الأمريكي هو المعول عليه في التغطية الإخبارية ونشر أخبار المظاهرات.

 لقد نشرت بعض وسائل الإعلام التي تحتل الصدارة في المشهد الإعلامي العربي أخبارا خجولة من باب إسقاط الفرض والمحاججة فيما يخص مهنيتها ولم تكن تغطية حقيقية بالمعنى المتعارف عليه، وهي بالتالي تصب في مصلحة المشروع الأمريكي مخافة استثارته أو اتقاء لشره.

 

 

اتفاق الغالبية العظمى من العراقيين على أن الفساد استشرى في مفاصل الدولة العراقية ولابد من التغيير, وإقدام العراقيين بكل أطيافهم على الخروج في هذه التظاهرات.. على ماذا يشير ذلك؟

هذا يشير بشكل واضح وجلي أن ثوابت القوى المناهضة للاحتلال أثمرت هذا الحراك الشعبي الجامع لأطياف المجتمع العراقي، وقد تجاوز كل الخنادق التي وضعها المحتل وعملت على تعميقها أدواته طيلة السنين الماضية.

إن أساس العملية السياسية المستند إلى قانون بريمر ومن ثم إلى دستور المحاصصة الطائفية والعرقية بطريقة التقاسم المنفعي أدت إلى هذا الفساد المستشري الذي لا ينفع معه إصلاح إن لم يكن هناك تغيير حقيقي يقتلع جذور الشحن الطائفي بكشف الفساد والفاسدين ومحاسبتهم.

إن دماء العراقيين التي روت أرض العراق وصمود القوى المناهضة للاحتلال أثمرت هذا الموقف الصادق بالتلاحم الجماهيري مع القوى المناهضة للاحتلال، وأضحى العراق وتحريره وعودته كقوة إقليمية تحفظ توازن المنطقة - التي تعاني اليوم اضطرابا واضح المعالم بتحكم القوى التي ما كانت لترفع رأسها لولا احتلال العراق - مطلبا جماهيريا تألفت عليه كل القوى الحية في الشعب العراقي.

 

ماذا تتوقعون أن يكون السيناريو القادم في العراق؟, وهل سيكون للعراقيين كلمة الفصل في ذلك؟

لنبدأ الإجابة على هذا السؤال من الأخير وهي أن الكلمة الفصل للشعوب وليس للمستبدين سواء أكان الاستبداد فرديا كما في تونس ومصر أو جماعيا كما في الحالة العراقية، وإن ما يواجه الحراك الشعبي من انتهاكات يحسبها فاعلوها بكثرة تواليها أنها في ميزان نصرهم ما هي إلا بشائر خذلانهم وخسارتهم وانكسارهم، فالتاريخ يشهد للشعوب المتحررة أن النصر حليف من يتلقى الضربات لا لمن يضربها، فالنصر حليف الشعوب ولا يهمها كثرة الثرثرة من هنا أو هناك تحت مسميات السيناريوهات المرسومة، ولا تزال حكمة الحكماء القائلة إن أربعة آلاف كلمة من الثرثرة أقل من أربع كلمات في الحكمة تقولها الشعوب: (الشعب يريد تغيير النظام)

من هنا أقول لم تعد السيناريوهات التي يضعها الاحتلال موضع اهتمام بقدر ما تتزايد التكهنات بسيناريو الحراك الشعبي يسانده الجهد السياسي ويعاضده جهد منظمات المجتمع المدني الحقيقية والهيئات والأحزاب ذات الطابع الوطني الجامع لهموم العراقيين بتحشيد العراقيين وحثهم على المطالبة بحقوقهم المسلوبة والمسروقة تحت ادعاءات الأبوة القيادية أو التمثيل الزائف أو الموازنة المضطربة.

لقد بدأ تنفيذ السيناريو الذي ارتضاه أبناء العراق وتجري تغذيته وإدامة زخمه بالوعي الصحيح المتبني لمشكلات العراقيين والتصدي لما تفعله حكومة الاحتلال من تجاهل واضطراب في المعالجة التي هي في الأصل تفتقدها بسبب الارتماء في ساحة الاحتلال أولا ثم في ساحة التمدد الإيراني ثانيا، مضافا إليها اللعبة التحاصصية القائمة على استثمار المناصب لمصالح شخصية وفئوية وحزبية ضيقة، فالسيناريو الأخير يكون للشعب وليس لأعدائه من الغرباء أو الدخلاء أو الخونة.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام