الأربعاء 04/10/1438 - الموافق 28/06/2017 آخر تحديث الساعة 03:25 ص مكة المكرمة 01:25 ص جرينتش  
مقالات
الخطايا الكبرى في أنموذج الثورة الليبية

الخطايا الكبرى في أنموذج الثورة الليبية

1432/04/26 الموافق 31/03/2011 - الساعة 12:18 م
|


شكلت الثورات العربية التي انطلقت شراراتها من تونس, وطالت من بعدها مصر, ثم راحت تطل برأسها في ليبيا واليمن وسوريا, الأمل الذي ظل يراود الملايين من شعوب تلك المنطقة لتنسم هواء الحرية, بعد عقود من الاستبداد السياسي الذي أفسد على كثير من الناس حياتهم.

فلم تجمع الشعوب العربية منذ عقود خلت على شيء بقدر ما أجمعت على نجاعة تلك الثورات في الخروج من نفق الاستبداد السياسي والظلم المجتمعي بأقل خسائر ممكنة, وهي الرسالة التي يبدو أنها لم تصل بعد إلى بعض الأنظمة التي تكاد تعالج تلك الثورات بعقلية متكلِّسة جامدة معتمدة على ردع القوى الأمنية في مواجهة حراك فكري ومجتمعي أسقط من حساباته الخوف يوم أن قرر أن يثور ولا يعود من ثورته إلا منتصرا.

ولكم أعطت تلك الثورات, خاصة في مصر, أنموذجا باهرا للتغير السلمي, والإرادة الشعبية التي ظلت متمسكة طوال أيام الثورة بمبادئ وأخلاقيات التثوير المجتمعي, فحقنت كثيرا من الدماء, وقطعت أطماع كثير من الطامعين في التدخل وتحقيق مصالحهم ركوبا للثورة واستغلالا لها.

ورغم التجاور اللصيق بين مصر وليبيا من ناحية, وليبيا وتونس من ناحية أخرى, إلا أن أنموذج الثورة في ليبيا, سواء من الثور أنفسهم, أو من النظام وقع في خطايا كبرى, أفسد إلى حد كبير الوجه المشرق لتلك الثورات التي كنا نأمل أن تحافظ على أخلاقياتها ومبادئها حتى النهاية.

فنحن بقدر ما نعظم للثوار في ليبيا شجاعتهم, وتضحياتهم, ورغبتهم في اللحاق بركب الحرية الذي سبقتهم إليه تونس ومصر, إلى أنهم وقعوا –برأينا- كما أسلفنا القول في خطايا كبرى..

عسكرة الثورة:

أول هذه الخطايا, عسكرة الثورة, ورفع السلاح في وجه النظام, مما أعطاه مبررا لزيادة البطش, واستخدام كل ما في جعبته من قوة عسكرية لإجهاض تلك الثورة, على الرغم من أن الثوار يعلمون قبل غيرهم أنهم لا يمكنهم الوقوف كثيرا في وجه الآلة العسكرية لنظام القذافي.

وصحيح, أن النظام أفرط في استخدام قوته في وقف التظاهرات والاحتجاجات, لكن الحفاظ على سلمية التظاهرات التي انطلقت، في السابع عشر من شهر فبراير, كان يمكن أن يضفي زخما شعبيا أكثر للثورة, بدلا من تحولها عبر قنطرة العسكرة إلى مواجهات بين ثوار ونظام, كلاهما يستخدم قوته لإسقاط الآخر, وخرجت بذلك جموع شعبية من معادلة التثوير.

وبُعد آخر, شديد الأهمية, كان يمكن أن يتحقق من سلمية الثورة يتمثل في إضعاف الروح المعنوية والقتالية للجيش والقوات الأمنية, التي تجد لنفسها مبررا قويا لمواجهة الثوار المسلحين, ولكنها تُهزم نفسيا بعد قليل من مواجهاتها مع الشعب, وهو الأمر الذي يؤدي بها في النهاية إلى الانضمام للشعب وثورته, أو على الأقل الوقوف على الحياد الإيجابي من الطرفين, على غرار ما فعل الجيش المصري والتونسي.

وإن كنا نقدر أن لجيش كل دولة عقيدته القتالية, وولاءه لأي من الأنظمة أو الشعوب, وقد ينحاز إلى هذه الفئة أو تلك, إلا أنه من الصحيح أيضا, ألا نعطي للخصم, في حالة التثوير الشعبي, المبررات التي يمكن أن يستخدمها لاستخدام كل ما في جعبته من قوة لإجهاض الثورة, والحيلولة دون تحولها إلى ثورة شعبية.

الاستعانة بالقوى الغربية:

المبهر في الأنموذجين, المصري والتونسي, أنهما رفضا بصورة جلية واضحة استثمار القوى الغربية لحالة الثورة لتحقيق مصالح أو أهداف لا علاقة لها بالثورة ولا بأصحابها, بل تحقق في النهاية مصالح الغرب, الذي ما زال مرتديا نظارته الاستعمارية, وإن أضفى عليها مسوحا تجميلية لم تعد تخفي عورتها.

كان حريا بالثوار - وهم يدافعون عن قضية عادلة لا يختلف عليها أحد من العقلاء - أن يحافظوا على نقاء ثورتهم, لاسيما والتاريخ المعاصر يخبر بصورة يقينية, أن القوى الغربية دخلت العراق على أكتاف المعارضة, وما كان هدفها إلا تدمير مقدرات هذا البلد والحيلولة دون وجود قوى إقليمية خارج النسق الأمريكي والغربي.

لقد استغل الغرب معارضة العراق لإسقاط النظام هناك, لا لكي يبني ديمقراطية بديلة, ولا لكي ينعم الشعب العراقي بحريته وإنسانيته, والواقع خير دليل على ذلك, فما قُتل من أبناء هذا الشعب, ومن اختُطف وغُيِّب, ومن عُذب وسُجن, لا يصل بحال إلى ما كان عليه الوضع في ظل النظام السابق.

نقول هذا, ليس تبرئه لنظام الرئيس السابق صدام حسين, ولكننا نسوقه لنبرهن أن منطلقات الغرب للتعامل مع قضايا المنطقة, منبثقة من مصلحته, التي ليس من مفرداتها الحقيقية الديمقراطية وحقوق الإنسان, ولكن جملة ما تعرفه النفط والمال والاستعمار الحضاري والثقافي لبلاد العرب والمسلمين.

أخطأ ثوار ليبيا, نعم, كونهم كانوا قنطرة لمثل هذا التدخل الغربي الذي دمر مقدرات ليبيا, كما فعل بالعراق, وأخطأ ثوار ليبيا حينما هللوا لهذا التدخل, الذي سيتنكر لهم, كما تنكر لمعارضة العراق, متى وجدهم يقفون حائلا أمام مصالحه ورغباته.

تجسيد التقسيم والانفصال:

وفي رحلة البحث عن المطالب المشروعة والمستحقة, حري بالباحث الحصيف, أن يحافظ على أمته, ودولته من التقسيم والانهيار, لان الحرية لا تفيد في بلد تتنازعه رياح التقسيم, والديمقراطية لا تفلح على أشلاء بلد ممزق يتصارع أبناؤه فيما بينهم.

وأظن أن ثوار ليبيا وقعوا في خطأ جسيم بوضع أيديهم على بترول الشرق, ثم ذهبوا يبحثون عن مسوق لهذا المنتج, في بذرة تقسيم, نلمح طيفها قادما مع سرب الطائرات والصواريخ الغربية والأمريكية التي تمطر من سماء هذا البلد.

بأعيننا شاهدنا تقسيم السودان إلى شطرين على أسس قبلية وعرقية بدعم غربي صريح.. ويصارع العراق سيناريو التقسيم على أسس طائفية وعرقية وهو الأمر الذي دعمه الغرب بسياساته وتدخلاته.. والآن نشاهد سيناريو تقسيم ليبيا إلى شرق ثوري وغرب رجعي, الأمر الذي يثير مخاوف جمة من حرب أهلية أو دولة فاشلة تتنازعها الرياح والأهواء, ويقطف الغرب وحده الثمرة.

وختاما نقول إن هذا الحديث لثوار ليبيا, لا يُنقص من عدالة قضيتهم, وعظم تحدياتهم, وإن كانوا قد وقعوا في تلك الخطايا, فخطايا النظام الذي يواجهونه أكبر, وخيانته للأمة وللوطن ليبيا أعظم خطرا.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
ابو عمر المصرى        مصر         2011/20/07
مقال طيب فيه درجة كبيرة من الانصاف والموضوعية. وان كانت الحرب الدائرة الآن على الشعب الليبي غير انسانية، فضلا على انها غير مبررة، وأوضحت علاقات كثير ممن ينتمون للمجلس الانتقالى بأجهزة المخابرات التى تربوا فى كنفها. شكرا لك
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام