الأحد 02/02/1439 - الموافق 22/10/2017 آخر تحديث الساعة 12:30 ص مكة المكرمة 10:30 م جرينتش  
مقالات
الهجرة غير الشرعية.. ماذا بعد الثورات؟

الهجرة غير الشرعية.. ماذا بعد الثورات؟

1432/05/17 الموافق 21/04/2011 - الساعة 11:50 ص
|


فجرت أحداث الثورة الليبية الحديث مجددا عن قضية الهجرة غير الشرعية خاصة وقد أعلن أحد المسؤولين الليبيين أن حكومة بلاده قررت عدم التعاون مع أوروبا لمكافحة الهجرة غير الشرعية وأنها رفعت يدها تماما عن هذه الظاهرة في حين تزايدت وبشكل ملحوظ موجات المهاجرين غير الشرعيين عبر الشواطئ الليبية وهو الأمر الذي يعد في نظر الكثير من المراقبين والمحللين الدافع الرئيس وراء تحمس أوروبا للمشاركة في قتال معمر القذافي ودعم قوات الثوار الليبيين.

مشكلة عالمية

وعلى الرغم من أن مشكلة الهجرة غير الشرعية تعد مشكلة عالمية لا تهم الدول الأوروبية فقط ولكنها تهم دول كثيرة في مختلف قارات العالم إلا أن الهجرة من دول جنوب البحر المتوسط إلى دول شمال البحر المتوسط كانت هي أكثر ما يؤرق البلدان الأوروبية ومن ثم ما يسمى بالمجتمع الدولي وذلك للتباين الحاصل بين عقيدة وثقافة هؤلاء المهاجرين الجدد وبين عقيدة وثقافة الشعوب الأوروبية الذين يدين أغلبهم إما بالمذهب الكاثوليكي أو البروتستانتي.

كذلك فإن هذه المخاوف تتزايد نظرا للحالة الراهنة التي تعيشها القارة الأوروبية والتي يحلو للكثيرين أن يصفها بالقارة العجوز حيث تعاني أغلبية بلدانها من انخفاض ملحوظ في معدل المواليد وهو ما يعني أنه وخلال سنوات قليلة ربما يصبح السكان الأوربيون الأصليين أقلية بالنسبة لغيرهم من المهاجرين بما لذلك من تداعيات ثقافية واجتماعية يرى الأوروبيون أنها تمثل خطرا على الحضارة الغربية بشكل عام.

ويفسر ما سبق التناقض الحاد داخل الموقف الأوروبي إزاء الهجرة التي كانت تلقى ترحيبا شديدا من أوروبا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لينقلب في الوقت الحالي إلى موقف رفض حاد وصل إلى درجة تهديد أوروبا لبعض البلدان التي لا تتخذ إجراءات تعاونية في الحد من عملية الهجرة إليها.

تنامي الظاهرة

يؤكد خبراء الاقتصاد أن تحويلات الأيدي العاملة بالخارج شكلت لدى بعض البلدان العربية والإسلامية المصدرة للمهاجرين مصدرا رئيسا ومهما للعملة الأجنبية (الدولار – واليورو) والتي تعد العملة المستخدمة في التبادل التجاري العالمي وهو ما ساهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي لهذه البلدان غير أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن هذه الهجرة كان لها أيضا أثرها السلبي على مستقبل هذه البلدان الاقتصادي بعد أن كانت سببا في هجرة الكثير من الخبراء والمتخصصين في مجالات دقيقة فضلا عن العمالة الماهرة الذين وجدوا في الهجرة إلى أوروبا فرصة لتحقيق حلمهم في رفع مستوى المعيشة الأمر الذي افتقدوه في بلدانهم وبالتالي فإنه وكما كانت لهذه الهجرة من إيجابيات وسلبيات في أوروبا فإنه كان لها إيجابيات ومثالب في البلدان المصدرة للهجرة.

غير أن أهم ما كان يلفت النظر في قضية الهجرة هو تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي انتشرت على طول ساحل البحر المتوسط الجنوبي والتي صاحبها بروز أشكال من العصابات الدولية التي تقوم على تنظيم رحلات الهجرة عبر وسائل نقل غالبا ما تكون مراكب صيد بسيطة لا يتوافر فيها الحد الأدنى من إجراءات الأمان ما كان سببا في غرق المئات من هؤلاء المهاجرين في عرض البحر من أبناء البلدان العربية الذين دفعوا عشرات الآلاف من الدولارات بعد استدانتها من أجل تحقيق حلم الهجرة.

الأسباب والدوافع

ويدفعنا ذلك إلى نطرح تساؤلا في غاية الأهمية وهو ما هي تلك الاسباب والدوافع وراء هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين والتي تضطرهم إلى ترك بلدانهم والهجرة باتجاه الشمال مع كامل العلم بأن احتمالات موتهم وغرقهم أكبر بكثير من احتمالات نجاتهم والوصول للشاطئ الآخر من الساحل الأوروبي.

والحقيقة أن الكثير من الدراسات تناولت هذه الظاهرة وحددت الأسباب وراءها في الآتي:

الأسباب الاقتصادية: فأغلب البلدان العربية والإسلامية المصدرة للهجرة تعاني من تعثر اقتصادياتها الذي يرجع لمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية فبالنسبة للعوامل الداخلية فإنها تتمثل في التوظيف غير الملائم للثروات البشرية الذي أدى إلى زيادة نسبة البطالة والتيسير غير الملائم للثروات الاقتصادية ما أدى إلى ضياع فائض اقتصادي حقيقي واعد وغياب سياسة التكامل الداخلي بين القطاعات الاقتصادية المختلفة مع غياب سياسة التوزيع العادل للدخول والثروات ما أدى إلى زيادة نسبة التضخم. وهو ما كان سببا كذلك في انعدام العدالة الاجتماعية وزيادة التفاوت الاجتماعي بين أقلية من الأغنياء وبين أغلبية تتخبط في البطالة والفقر المدقع.

أما فيما يخص الخارج فإن هناك مجموعة من العوامل التي أدت لتعثر اقتصاديات هذه البلدان منها عجز الميزان التجاري وتبعية معظم هذه البلدان للدول الصناعية وضعف التبادلات التجارية فيما بينها وزيادة المديونية الخارجية.

الأسباب السياسية: لاشك أن الأوضاع السياسية التي مرت بها أغلب البلدان العربية والإسلامية كانت عاملا حاسما في التأثير على تدفقات الهجرة غير الشرعية حيث توجد فجوة كبيرة جدا بين الحالة السياسية التي يعشها سكان أوروبا وتلك التي كان تعيشها الشعوب العربية والتي اتسمت بالكثير من مصادرة الحق في التعبير والمنع من الممارسة السياسية التي تضمن تحقيق التداول السياسي للسلطة والمواقع القيادية ما أسفر عنه عدم شعور الكثير من الشباب العربي بالولاء والانتماء لأوطانهم التي وبحسب اعتقادهم كانت موطنا فقدوا فيه حريتهم وشعورهم بكرامتهم الإنسانية خاصة وأن الإعلام يكشف يوميا عن عشرات الحالات التي تعرضت للتعذيب والقتل في السجون والمعتقلات.

الأسباب الاجتماعية: لقد شهد المجتمع العربي في السنوات الأخيرة الكثير من التحولات الاجتماعية التي جاءت كرد فعل على ثورة الاتصالات حيث تمثلت هذه المجتمعات قيما وأخلاقيات جديدة لا تتفق وطبيعة هذه المجتمعات فضلا عن أنه تم اجتزأها فلم تكن منظومة قيمية متكاملة ما جعل المجتمع يبدو وكأنه في حالة من الاهتراء والتشتت وعدم الانسجام.

وكان من أخطر التداعيات الاجتماعية هو تمرد الشباب العربي على نمط حياته والتطلع إلى أن يحيا حياة أخرى تم تصويرها على أنها الفردوس الأرضي الذي تتحقق فيه كل رغبات وأهواء النفس البشرية.

بعد الثورة

لم يكن هروب الشباب العربي ليخوض غمار تجربة صعبة ومريرة في عرض البحر من أجل الانتقال من جنوب البحر المتوسط إلى شماله هو الرغبة في الموت كما كان يحلو للبعض أن يردد، لكنها كانت المحاولة الوحيدة في نظره لأن يحيا حياة كريمة يشعر فيها بآدميته التي تم انتهاكها سواء على الشاطئ الجنوبي أو غرقا في عرض البحر.

أما وقد استطاع هذا الشباب أن ينتفض ويقود ثورة شعبية جامحة أسقطت الكثير من صروح الطغيان والاستبداد فإنه من المحتم أن تتغير الكثير من ملامح الصورة التي باتت مشوهة إلى حد كبير فتعود للإنسان العربي كرامته المهدرة طوال عقود مضت كان خلالها مجرد كائن فقد الإحساس بكل شئ.

إن الثورة العربية التي انطلقت خلال الشهور الماضية لم تكن مجرد حالة قفز على واقع سياسي تحكم فيه طغمة من الحكام لكنها أيضا ستكون محاولة لإعادة الكثير من الأمور إلى نصابها ومسارها الطبيعي ولعل من أهم هذه الأمور هو استشعار المواطن العربي بقيمته كإنسان على مختلف المستويات بعد أن يكون له حق متساو وعادل في ثروات بلاده وبعد أن يستشعر حالة من تكافؤ الفرص مع غيره في مجتمعه وبعد أن يحلم ويمكنه أن يحقق الحلم وساعتها فلن يكن هناك معنى لأن يترك بلاده فضلا عن أن يسلك للهجرة سبيلا غير مأمون يكون فيه الموت أقرب من النجاة.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام