الأحد 02/02/1439 - الموافق 22/10/2017 آخر تحديث الساعة 12:31 ص مكة المكرمة 10:31 م جرينتش  
صحف
الحالة العراقية والاحتجاجات

الحالة العراقية والاحتجاجات

1432/05/21 الموافق 25/04/2011 - الساعة 04:30 م
|


وصف مسؤول عربي سابق (رئيس الوزراء الأردني الأسبق علي أبو الراغب) ما جرى في المنطقة بأنه زلزال سياسي، وأن هناك أنظمة تعرضت إلى زلزال من هذا النوع قوته 8 درجات وأخرى 7 درجات وغيرها 6 ثم 5 درجات على مقياس ريختر. وهكذا.

التشبيه دقيق مع أهمية استبدال ما هو كارثة طبيعية، باندفاعة شعبية من صنع البشر وبإرادتهم الحرة، تنشد البناء والعمران لا التقويض والتخريب.

بناء على هذا المقياس يتذكر المرء بلداً عربياً عزيزاً، سبق مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والجزائر والأردن، في التعرض لهذا الزلزال السياسي، وإن ضمن ظروف مغايرة هو العراق. فها هو بلد الرافدين يتعرض إلى ارتدادات الزلزال الجديد، الذي يقع مركزه خارج حدوده. ولو كان المرء في موقع المسؤولين العراقيين، لسَعِد بهذا التطور. لماذا؟

لأن موجة الاحتجاجات وصلت إلى بغداد والموصل والسليمانية، بالصيغة السلمية نفسها التي هي عليها في عواصم ومدن عربية أخرى . لم يكن هناك من عنف أو تهديد وتلويح به على أي مستوى . هذا تطور بالغ الأهمية في بلد اعتمدت فيه قوى سياسية العنف المسلح إلى جانب أعمال المقاومة. العودة إلى النضال السياسي والجماهيري، تؤشر إلى تغليب ما هو سياسي ومدني على التنازع الأهلي المسلح، وفي ذلك تقدم كبير وانعطافة نوعية وبجميع المقاييس (ليس من بينها، في هذه الحالة، مقياس ريختر..).

في مستهل العام الجاري 2011 أبدى رئيس الوزراء نوري المالكي على طريقته تفاعلاً مع موجة الاحتجاجات العربية، حين أبدى عزوفه عن الترشح مرة أخرى لرئاسة الحكومة في بلاده . وكان الظن أن هذا الإعلان سوف يشكل بداية نهج سياسي جديد لا محل فيه للاستئثار والإقصاء، فيما التظاهرت التي طافت شوارع العاصمة العراقية في الأسابيع الأخيرة منددة بالفساد ومطالبة بالإصلاح، هي بمثابة تفاعل آخر يبديه الرأي العام العراقي مع ما يجري في بلدان أخرى قريبة وبعيدة .

معلوم أنه تقوم منذ الثاني والعشرين من فبراير الماضي تحركات احتجاجية، يشارك فيها شبان وطلبة جامعات عراقية تدعو إلى الإصلاح والتغيير، وتتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي منبراً لها كما هو حال بقية الحركات الاحتجاجية الشبابية العربية. غير أن هذه التحركات تقابل ويا للغرابة بعنف شديد من قبل الأجهزة الأمنية يصل إلى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وإغلاق بعض المناطق وفرض حظر تجوال عليها، وهو أمر يثير العجب. فالمعيار الأمني المباشر الذي يخشى أصحابه من اندساس أنصار عنف بين المتظاهرين، طغى على أي اعتبار سياسي، وعلى احتساب ما يجري بأنه بمثابة عودة إلى الحياة الطبيعية مُرحب بها حتى لو تخللتها تظاهرات صاخبة، وأن التنافس السلمي بين القوى السياسية تحت مظلة القانون، هو المطلوب إحلاله بدلاً من اللجوء إلى التفجيرات والتحشيد الطائفي.

لقد ترافقت موجة الاحتجاجات العراقية، مع كشف المزيد من جرائم الفساد كان آخرها الإعلان عن كف يد رئيس المحكمة الجنائية العليا القاضي ناظم العبودي وإحالته إلى لجنة تحقيق، إثر قيامه بإصدار أوامر صرف أموال لشراء خمسين سيارة بأضعاف ثمنها الحقيقي. وهو ما يدلل على مدى استشراء الفساد في مستويات عليا، والقاضي العبودي هو الذي أصدر الحكم بإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

يعرف العراقيون أن تهمة كهذه مسندة إلى مسؤول كبير في جهاز قضائي، هي واحدة من اتهامات بلا حصر تطال مستويات عليا ومتوسطة، ومن اللافت أن الكشف عنها يتوالى منذ سنوات وبعضها حديث العهد، مما يدلل على أن هناك بيئة مؤاتية للفساد والإفساد، فيما ينوء العراقيون تحت وطأة نقص خدمات أساسية كالوقود والكهرباء والماء والمواصلات.

وإلى القضايا المتعلقة بالفساد والتغول على المال العام، التي تشغل الرأي العام فإن رسالة الاحتجاجات تتسع لتشمل المطالبة بعدم التمديد للقوات الأمريكية، بعدما تواترت أنباء عن مباحثات متكتمة تجري لتمديد وجود هذه القوات، وهو ما لم تنفه حتى تاريخه أوساط الحكم النافذة، وما يثير موجة احتجاجات ودعوات لعصيان مدني قابل بالقمع وفرض حظر التجوال في بعض المناطق مثل نينوى، وهو ما أثار حفيظة محافظ المدينة اثيل النجيفي، لا الجمهور فحسب.

يسترعي الانتباه، أنه بينما سارعت دول أخرى إلى الانحناء أمام العاصفة والتكيف مع المطالب الشعبية، فإن شيئاً من ذلك لم يحدث بعد في العراق، رغم أن هذه الموجة الاحتجاجية والاستجابة الواجبة لمطالبها، توفران فرصة للنظام القائم لتجديد "نفسه" واكتساب قدر من الحصانة والشرعية، غير أن التنازع مع بقية القوى النافذة هو الذي ما زال يحتل الأولوية. وما ينطبق على أركان الحكم ينسحب على غالبية القوى الحزبية التي لم تستثمر هذه التحركات الشعبية ولا تساوقت معها على نحو ملموس، بما يوفر لها فرصة الخروج من الشرنقة الأيديولوجية والطائفية، ومما يدل على أن الصخب العقائدي والسجالات الحامية الوطيس بين الفرقاء السياسيين والتي لم تتوقف خلال السنوات السبع الأخيرة، تضمر انقطاعاً عن الشارع السياسي، وانغلاقاً على التنوع الفكري والثقافي الذي يزخر به بلد المأمون.


المصدر: صحيفة "الخليج" الإماراتية

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام