الاثنين 23/03/1439 - الموافق 11/12/2017 آخر تحديث الساعة 07:00 ص مكة المكرمة 05:00 ص جرينتش  
مقالات
العلماء وأزمة اليمن

العلماء وأزمة اليمن

1432/05/26 الموافق 30/04/2011 - الساعة 12:48 م
|


المتابع لأحداث اليمن منذ انطلاق ثورة الشباب إلى هذا اليوم الذي أسطر فيه هذه الأحرف.. يدرك تماماً أن الحدث يزداد تأزماً كل يوم، وأن المرحلة انتقلت إلى المخاض الصعب كما ذكرت عن ثورة ليبيا في بدايتها.

لا أريد أن أثبط الذين في الساحات, ولا أرغب في قتل أمل الحالمين بتحقيق الهدف, ولا باسترخاص الدماء, لكني لا أستطيع أن أكتب توصيفاً للحدث يبتعد عن واقعه؛ فهذا هو الواقع، ويجب أن نقول هذا لأننا نتحرى في كتابتنا الحقيقة والواقع، ومع هذا فتحقيق آمال الشباب وطموحاتهم أصبح فريضة، وإرادة الشعب ستكون هي الإرادة الثابتة إذا نصرت الشرع, هذا عن المشهد اليمني.

دور العلماء:

بعد هذا التوصيف للمشهد المختزل, أقف أولاً إجلالا وتقديراً وحباً وشكراً لعلماء اليمن بكافة أطيافهم وتوجهاتهم أين كان موقفهم ما دام الموقف منبثق من الكتاب والسنة ومن قناعة وصل لها هذا العالم أين كان, وليس لمثلي أن يكتب ليقيم دور العلماء لكن أجدني مضطراً للكتابة لأني أتابع مداً كبيراً توجه سهامة نحو العلماء من طرفي النزاع في اليمن, ويشترك في هذه الحملات أقزام في صف المؤيدين وفي صف المعارضين فأصبح علمائنا محل تهجم من هذين النقيضين بغض النظر عن النقد المهذب فالفرق شاسع بين مفهوم النقد البناء وبين مفهوم التهجم.

فكم هي الأصوات التي نسمعها ليل نهار تتفنن في سلخ العلماء، وكم هي الأنفس الشرهة التي تقتات من لحومهم المسمومة، وكم يجرني سذجهم في صناعة التهم وإلصاقها بعلمائنا الإجلاء إلى تذكر قول العلامة ابن عساكر - رحمه الله - حين قال: "أعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإيّاك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله قبل موته بموت القلب".

فعجباً لأمة نبذت علمائها، وعجبا لأمة غيبت فضلائها, فقد أتخذ البعض مبدأ: "إن لم تكن معي فانت ضدي" ليس في حق العامة فحسب بل في حق العلماء وكأنه يريد أن يسير العالم مع قناعاته ومع ما توصل إليه هو، أليست هذه من المفارقات أن يطلب الجهال من العلماء اللحاق بهم؟!، أليس الأصل أن تنظر الأمة لعلمائها بعين التقدير والتبجيل واحترام الرأي حتى لو خالف العالم؟!؛ فالعلماء لم يلزموا أحداً باتخاذ رأيهم، لكنهم طرحوا ما عندهم ليكون محترم مردود أو محترم مقبول, فلماذا إذن التهجم؟!، ولماذا الاستماتة بالطعن في العلماء؟!.. هذا بالصورة العامة, لكن البعض وهو أشد خطراً يؤصل لمسألة الطعن تأصيلاً "ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب" فيقول: نحن نتبع نصوص شرعية ونتبع مناهج تحكمنا، لسنا أتباع لرجال، وهذا كلام لا غضاضة فيه وهو محل تقدير الجميع؛ فنحن بالفعل أتباع لعقيدة ومناهج تحكمنا، لكن أن تتحول هذه المفاهيم إلى بوابة للطعن في علمائنا والحط من شأنهم والتغييب لدورهم فهذا هو الداء العضال, فمن تفنن في انتقاص العلماء ومن أبدع في طعنهم ومن استمات في ذمهم اعتبر متخلص من التبعية وصار تابع لمنهج وهنا فاقرة أخرى قنعت بقناع المنهج وبنيت بخيوط العنكبوت الواهية فلا يضر العلماء ما يقول السفهاء.

ما جرني لكتابة هذه الأحرف بعد متابعة لدور العلماء المتباين من الأحداث الحاصلة في اليمن وما نتج من هذه المواقف من ردود أفعال أحدثتها الاتجاهات الموجودة في صلب المعركة فالعلماء انقسموا في اليمن بحسب رؤيتي الشخصية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: يرى ضرورة التغيير بأي صورة وبأي طريقة كانت، المهم أن يحصل؛ باعتبار أن التغيير أصبح فريضة، وأن الواقع الذي أفرزته التراكمات العديدة من الفساد ومن النهب والسلب والوضع المتردي لمجتمعنا اليمن يحتم علينا التغيير أين كان وبأي صورة كانت؛ فهم يرون هذا الخروج جهادا في سبيل الله وأن مقارعة الظلم وجب لاستفحالته وانتشار شرورة،  وهو رأي يجب أن يُحترم ولا يُتهم أصحابه، فلأصحابه منطلقات شرعية انطلقوا منها، ولديهم أدلة وصلت بهم على قناعة بهذا الرأي، وهو نفس الرأي الذي ينادي به شباب الثورة في المعتصمات والساحات.

القسم الثاني: هو الضد والمقابل للقسم الأول والذي يكمن مطلبه بعدم الخروج على الحاكم، وتحريم الخروج أين كانت صوره؛ باعتبار أن الخروج محرم شرعاً وإن حصل الظلم والجور وإن ضُرب الظهر واُخذ المال، وهو كذلك رأي يجب أن يُحترم وأن يتم التعايش مع القائلين به؛ لأنهم كذلك انطلقوا من أدلة ومفاهيم واضحة وقناعات توصلوا لها، ويجب أن نقبله كرأي ولا يلزمنا العمل به ونعتب على الذين يتهمون علماء هذا الرأي بالتهمة الجاهزة من وصفهم بـ "علماء السلطان"، وغيرها من التهم.

القسم الثالث: هم الذين فصلوا في المسألة فهم يرون ضرورة التغيير، لكن وفق منطلقات شرعية ورؤى واضحة لما بعد التغيير، وهم ينظرون للمسألة في منطلقها الشرعي والسياسي وخرجوا برؤية تختلف عن الرؤى السابقة وتجمعها برأي واحد وهو: "التغيير بالطرق السلمية مع وضوح الرؤية لمرحلة ما بعد هذا التغيير"،  ومما اعتبره مميزة لهذا الرأي أنه يرفض تصرفات السلطة وتشنجات المعارضة. لكن مستوى الوعي عندنا لم يصل أيضا إلى المستوى المطلوب بحيث يُحترم رأي هذا القسم من العلماء من الجميع؛ حيث يتهجم   الكل للأسف على هؤلاء العلماء من الطرفين فيتهمون بـ"علماء السلطة" والمراوغين من قبل المعارضة، وتتهمهم السلطة وأزلامها بأنهم من الخارجين عن الشرعية فأصبحوا كالطبل يضرب من الجهتين وهذه ضريبة الحقيقة.

فتلك هي تقسيمات رأي علماء اليمن من الأحداث الأخيرة بحسب رؤيتي الشخصية ومتابعتي الدائمة.

لكن الفاقرة الكبرى التي أسطر أحرفي هنا لتلافي خطرها هي أن يتحول نقد أحد هذه الآراء إلى تهجم لأشخاصها من العلماء، والعجب أن كل اتجاه يمارس هذه المغالطات وما يلبث حتى يتهم الأخر بالإقصاء والشخصنة وهو في الحقيقة إقصائي من الطراز الأول.

ومن المضحكات المبكيات أن ينبري صغار الأمة ومن يعتبرون في ذيل قائمتها للتهجم على العلماء واختزالهم في موقف لم يتوافق مع هواه وهو ليس مؤهل للنقد المؤدب أصلا فإذا به يتجاوز ذلك إلى  التهجم.

وهذا والله نتيجة لانفصام كبير خلقناه بيننا وبين علمائنا, فعلماء اليمن لا يحظون بقدرهم الحقيقي ولا الاهتمام المناسب رغم علميتهم وتفوقهم على كثير من علماء العالم الإسلامي, لا ادعوا هنا للمبالغة إلى الحد الذي وصل له الرافضة مع آياتهم، لكني أدعوا إلى التوازن الذي يعطي العالم قدره ويسكت هذه الأصوات الساذجة التي تقتات في أشخاص العلماء.

أستطيع أن اختم هذا المقال بطرح رؤية تكمن في التالي:

- الدعوة لتقدير كافة الآراء المطروحة من قبل العلماء ما دامت منطلقة من الشرع ولم تحكمها الاملاءات.

- دعوة العلماء إلى قول كلمة الحق في هذه الأزمة الخانقة التي هي بأشد الحاجة لعلمائنا.

- نطالب الشباب المتواجد في الميادين المؤيدة أو المعارضة إلى الترفع عن انتقاص العلماء وإلى احترام الآراء أين كانت.

- ندعوا السلطة الموجودة أو القادمة إلى تخصيص مشاريع من شأنها إبراز دور العلماء وإنشاء هيئات شرعية من الأطياف الموجودة في اليمن ليتم من خلالها استخلاص فتاوى صادرة عن هذه الهيئات يقبلها الجميع ولتخرجنا من هذا التجاذب.

- الدعوة لعقد لقاءات مستمرة عبر ساحات المعتصمين والمؤيدين للعلماء من كل الأطراف ليحدث هذا تعايش باعتبار أنهم سمعوا كافة الآراء وبالطبيعي سيخلق تعايش مع كل الآراء.

- الدعوة للجميع بعدم الخلط بين المماحكات السياسية وبين التقدير للعلماء.

- نؤكد على أن معنى التقدير ليس التقديس وإنما الاحترام ولا غضاضة من نقد الرأي بحدود الأدب.

- أطالب الجميع بتقبل كل هذه الآراء، ولتُقبل هذه الآراء حتى من خلال مبدأ الديمقراطية والرأي والرأي الأخر خاصة من الذي كسروا رؤوسنا بالحديث عن هذه المبادئ فإذا بهم أبعد الناس عن تطبيقها.

أخيراً وليس بالأخير فالقادم كثير.. ادعوا الله أن يوفقنا للحق، وأن يخرج اليمن من هذه الأزمة بأقل الخسائر، وأن يجمع الشمل ويلم الشتات.

أضف تعليق
الإسم:  
البريد الإلكتروني:  
الدولة:  

أرسل الخبر
الإسم:  
بريد المرسل:  
بريد المرسل إليه:  
مواضيع ذات صلة
    لا توجد مواضيع ذات صلة

مقالات أخري للكاتب
التعليقات
لا توجد تعليقات
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام